ترجمة/Translate

||

الجمعة، 8 فبراير، 2013

مؤتمر الصومام 20 أوت1956وتداعياته بين الشرعية والايديولوجية


 

إن الحديث عن الشرعية الثورية في تاريخ الجزائر المعاصر ليس وليد السنين الأخيرة وأن ضرورة العمل بها من أجل شرعية دستورية أو قانونية هو تمثيل لظاهرة جزائرية سابقة أسست للربط بين شرعية الثورة والشرعية الدستورية.
ومن هذا المنطلق ظهر اعتقاد  بأن تولي القيادة و المسؤولية في هرم الثورة أو حتى بعد الاستقلال على مستوى السلطة السياسية يجب أن يقترن بالشرعية التاريخية (01) اعتمادا على القيم الثورية المتوارثة منذ نوفمبر 1954م. وليس من حق أي شخص أو مجموعة أن تتراجع عن تلك المبادئ التي تأسس عليها كيان المجتمع الجزائري لأنها أصبحت جزء لا يتجزأ من التكوين الثقافي و السياسي لهذه الأمة وبالتالي يبقى السؤال مطروحا وهو كيف وقع هذا التداخل الذي أدى إلى انقسام قادة الثورة منذ مؤتمر الصومام إلى يومنا هذا ؟
1- قرارات المؤتمرو صراع التيارات الداخلية ( المشكلة لقيادة الثورة):
لقد أقر مؤتمر الصومام  في 20أوت 1956 تحولا فكريا وثوريا(02)  جديدا أصبح بمثابة  المقياس الفاصل بين تيارين أثنين مختلفين موجودين  في طلب  إيديولوجية الثورة  منذ أن كانت الحركة الوطنية ممثلة في إتجاهاتها المختلفة وبالتالي ، نجد التيار الديمقراطي اللائكي الذي يتحدث عن المؤتمر ويعطيه الاولوية و الأهمية يتساوى فيها بإعلان بيان أول نوفمبر 1954 أو يرتبه  في المقام الثاني بعده. أما التيار الآخر فهو الذي يسمى نفسه بالتيار الوطني الإسلامي و الذي كانت تمثله جبهة التحرير الوطني خلال وبعد الثورة التحريرية. وهذا كان وراء تجدد الصراع داخل الثورة حول المرجعية التاريخية لكل تيار حتى بعد الاستقلال 1962.
يتفق جميع الباحثين في هذه الفترة  أن لهذا الاختلاف جذور تاريخية تعود أساسا إلى ظروف انعقاد مؤتمر الصومام ومعارضة التاريخيين لقراراته، حيث اتهموا دعاة التيار الديمقراطي بالانحراف عن مساره واستولى "عبان رمضان" وجماعته على الثورة فأخرجوها عن نطاقها ومبادئها النوفمبرية(03) ، وهذه تهمة أكدها أكثر من رمز من رموز الثورة الجزائرية. وعلى رأسهم أول رئيس للجزائر المستقلة" أحمد بن بلة" وشخصيات أخرى يتقدمهم "أحمد علي محساس" ( في كل شهادتهما حول مؤتمر الصومام).
اختلفت مبررات بعض القادة التاريخين الآخرين الذين كانت مواقفهم حول مؤتمر الصومام أنها وثيقة سياسية وضعت قاعدة إيديولوجية لمنهجية الثورة المسلمة ، وحددت التصور المستقبلي للآفاق والمبادئ . و الأسس التنظيمية للدولة الجزائرية ، بعد استعادة الاستقلال والتي حادت عما حدده بيان نوفمبر 1954م الذي جاء فيه أن الدولة الجزائرية ديمقراطية في إطار المباديء الإسلامية لتتحدث وثيقة الصومام عن إقامة دولة جزائرية ديمقراطية اجتماعية  أهملت هذه المبادئ وحاولت التأسيس التاريخي لفكرة اللائكية في الجزائر ؟؟ وبالتالي انقسم قادة الثورة إلى جناحين متصارعين.
لقد اعتبر جل المعارضين لمؤتمر الصومام هذا التوجه انحرافا عن الثورة وأن وثيقة كأي وثيقة أخرى لا تكتسي أي أهمية فيما يتمسك  الديمقراطيون اللائكيون (04) بأن وثيقة مؤتمر الصومام أعطت الثورة هويتها وحددت شكل الدولة العصرية التي كانت تهدف إلى تأسيسها الثورة التحريرية ، ومنه يستمدون شرعيتهم وشرعية مطالبهم بفصل الدين عن الدولة وإعطاء الجزائر بعدا متوسطيا(05) يختلف عن البعد العربي الاسلامي .
2- كيف تطور الصراع بين قادة الثورة من جراء أولويات المؤتمر (السياسي و العسكري ، الداخل و الخارج)؟:
لقد أثار مؤتمر الصومام من خلال أرضيته حفيظة الدول العربية التي كانت تحتضن وتساعد الثورة خاصة مصر ، التي رأت فيه تنكرا لدورها وتوجها نحو الضفة الشمالية. فكان على التيار المناهض لمؤتمر الصومام أن يصحح الوضع ولذلك عقد ما يعرف بمؤتمر القاهرة 1957 الذي أعاد المجتمعون فيه الاعتبار للبعد العربي والإسلامي للثورة الجزائرية واعتبروا وثائق مؤتمر الصومام تجاوزا لمبادئ نوفمبر وقيمته الثورية. ابتعادا عن   شرعية الدولة الجزائرية التي أرادها الشعب  من خلال ثورته وهذا دليل على إلغاء وحل كل التنظيمات التي كانت تطرح مثل هذه التوجيهات ، وبالتالي فهم ليسوا في حاجة إلى شرعية  يقرها ويمنحها مؤتمر الصومام أو غيره وهي شرعية كافية لاستمرار الثورة  وتحقيق أهدافها.
إن إعطاء التبرير التاريخي للخلاف بين قادة الثورة عقب مؤتمر الصومام أوت 1956 لا يمكن فهمه إلا بربطه بظروفه حسب " عبد الحميد مهري"(06) لأن خروجه بمبدأين اثنين يتعلقان بأوليات السياسي على العسكري والداخل على الخارج لم يتقبله قادة الثورة  الآخرون الممثلون للجناح العسكري أي (التاريخيون) وعلى رأسهم " كريم بلقاسم  وعبد الحفيظ بوصوف ولخضر بن طوبال"(07)  الذين اعتبروا هذين المبدأين انحرافا عن مبادئ أول نوفمبر 1954 إنقاصا من وزنهم.
ورغم محاولات التقريب بين الطرفين المتنازعين إلا أن" كريم بلقاسم" ظل متمسكا باإلغاء قرارات مؤتمر الصومام بينما " عبان رمضان" إلتزم برأيه المتمثل في ضرورة أن يشرك كل الشعب الجزائري في ثورة التحرير مثلما نص عليه البيان لما لاحظ تخلي هذا الأخير عنه. (أي كريم بلقاسم) ومن جهة أخرى حاول " الأمين دباغين" و" عبد الحميد مهري" في إحدى تصريحات هذا الأخير إبعاد " عبان رمضان" عن الصراع لتفادي المزيد من الخلاف لكن الجو ظل مشحونا بين الطرفين وعمق الانشقاق فخلف فتنة داخل جبهة التحرير الوطني بعد مقتله أو استشهاده حسب ما أذيع آنذاك وعليه فإنه رغم أهمية أرضية الصومام فإنها لم  تستطع أن تجمع الحساسيات السياسية و الذاتية التي كانت سائدة في ما قبل نوفمبر 1954 ، ورغم اقتناع بعض القادة التاريخين أمثال " العربي بن مهيدي " قبل استشهاده من أنه يمكن تجاوز هذه المرحلة . إلا أن  المعارضين إعتبروها تغذية للصراعات بين النخب و الأحزاب و الذين تخلفوا عن  الثورة وأن  هذه المرجعية تحتاج إلى التجانس من خلال انضمام  الوافدين الجدد من البرجوازية، الذين كانوا مؤيدين للاندماج داخل المنظومة الكولونيالية (08) سابقا.
 وأخيرا لا يمكننا كباحثين أن نصدر أحكاما على هذه الخلافات أو على مدى موضوعيتها  باعتبار أن نص وثيقة  الصومام تناول إقامة دولة جزائرية سواء كانت ديمقراطية أو اجتماعية . وأن اعتراض التيار المحافظ داخل الثورة على ذلك كان بسبب إهمال البعد العربي و الإسلامي للشعب الجزائري إما عمدا أو سهوا.
وعليه اعتبر أنصار التيار الوطني (التاريخيون) أن المؤتمر انحرف عن الثورة التي أقرها بيان نوفمبر 1954م بل أكثر من ذلك أثار حفيظة الدول العربية التي كانت تحتضن قادة الثورة والتي كانت في حاجة إليها وخاصة مصر التي رأت فيه تنكرا عن دورها القومي وتوجها جديدا ليس طبيعيا نحو الغرب، وبالتالي يجب على التيار المناهض المشكل من القادة التاريخين أن يصححوا  الوضع. لقد تناول مؤتمر القاهرة 1957 هذه القضية بإعادة الاعتبار للبعد العربي و الإسلامي للثورة وبذلك جرد مؤتمر الصومام  من مضمونه وقراراته ، التي أرادت أن تجعل من الثورة حركة تحريرية تحمل قضية عالمية وليس مجرد تمرد أو أفعال إجرامية كما أرادت الدوائر الفرنسية إعلاميا  أن تقنع الرأي العالمي بذلك . إن هذه الحركة ذات طابع إنساني التف حولها شعب عانى طيلة أكثر من قرن من الاستعمار كما جاء في بيان أول نوفمبر والوثيقة السياسية لمؤتمر الصومام.
أما تكوين دولة جزائرية مستقلة حسب ما وضحته  تلك المواثيق فقد حمل بصمة تلك القيادة عن طريق إثارة مسائل عقائدية أو إيديولوجية أو تنظيمية تبقى دراستها حسب رأينا مجردة دون ربطها بالحقائق والشهادات التي تمثل ذاكرة الشعب التاريخية.
الهـوامش:
1- يحي بوعزيز : مكانة ثورة أول نوفمبر 1954 بين الثورات العالمية ودورها في تحرير الجزائر وإفريقيا "ملتقى الثورة الجزائرية وصداها في العالم" الجزائر 20-28/28/11/1989 ، المركز الوطني للدراسات التاريخية الجزائر -1985 ، ص 88.
 2- محمد حربي : الثورة  الجزائرية ( سنوات المخاض) ترجمة: تجيب عماد ، صالح المثلوثي – الجزائر- 1994، ص 22.
3- أنظر نداء بيان أول نوفمبر : الفقرة (4)  الملحق الأول – تصريح  أعلان الثورة " محمد الصالح الصديق " : أيام خالدة في حياة الجزائر 2007، ص 73 .
- 4Mohamed harbi,gilbert meyrier :le FLN,decument et histories (1954-1962) casbah ed 2004 p 186.
5- علي كافي : من المناضل السايسي إلى القائد العسكري (1946-1962) دار القصبة 1999،ص 82.
6- عبد الحميد مهري: جريدة الخبر ، العدد 4814 ليوم : 21/09/2006م
7- أنظر شهادة بن طوبال : " إذا لم نرجعوا فسوف نصفي بعضنا" – الشروق – ع 2184 ليوم 29/12/2007 .
8-   Ferhat , abbes : autopsie d’une guerre garnier-paris -198 p65.

المراجع باللغة العربية :
1-علي كافي : من المناضل السايسي إلى القائد العسكري (1946-1962) دار القصبة 1999.
2-محمد حربي : الثورة  الجزائرية ( سنوات المخاض) ترجمة: تجيب عياد ، صالح المثلوثي – الجزائر- 1994.
3-" محمد الصالح الصديق " : أيام خالدة في حياة الجزائر ENAG الجزائر 2007. ( أنظر بيان أول نوفمبر الملحق ).
المراجع باللغة الفرنسية :
1.          Mohamed harbi,gilbert meyrier :le FLN,decument et histoires (1954-1962) casbah ed 2004.
2.           Ferhat , abbes : autopsie d’une guerre garnier-paris -1980 p65
المقالات و المجلات :
1.       يحي بوعزيز : مكانة ثورة أول نوفمبر 1954 بين الثورات العالمية ودورها في تحرير الجزائر وإفريقيا "ملتقى الثورة الجزائرية وصداها في العالم" الجزائر 24-28/28/11/1989 ، المركز الوطني للدراسات التاريخية الجزائر -1985 .
2.       شهادة لخضر بن طوبال في جريدة الشروق اليومي ليوم 29/12/2007.


 ~~~~~~~~~~ أ./ تيزي ميلود*


* أستاذ مساعد ، قسم التاريخ ، جامعة سيدي بلعباس

0 التعليقات:

أرسل أسئلتك في رسالة الآن هنا

foxyform

عنواني على الفايس بوك:

قناتي على اليوتوب

أعلن معنا... إعلانات الآن هنا ...


تبادل المعلومات

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More