ترجمة/Translate

||

الجمعة، 31 أكتوبر، 2014

في ضيافة المجاهدة "بوقمبور خديجة" المدعوة (فريدة) يوميات أليمة يحذوها الأمل بالاستقلال بين جبال الشاوية مجاهدات تقاسمن الآلام والآمال.. الممرضة التي عالجت المجاهدين وأسعفت المصابين


برحابة صدر، وبقلب وسع حب كل الجزائر، استقبلتنا المجاهدة بوقمبور خديجة المدعوة "فريدة" في منزلها، لتروي لنا قصة كفاح ونضال
قادتها لسفوح الجبال ومغاراتها، تداوي الجرحى وتسعف المصابين، فعاشت بين الأحراش وتناولت الحشائش و(البلوط) رغم حداثة سنها الذي لم يتجاوز الـ15 سنة عند التحاقها بالجبل، بعد أن ساعدت المجاهدين وكتمت أسرارهم في منطقتها التي جعلها المستعمر منطقة محرمة.
نشأت المجاهدة خديجة بوقمبور بالناحية العسكرية الثانية بالضبط في دائرة العنصر التابعة لولاية جيجل، في أسرة كبيرة تعمل بالزراعة شأنها شأن الكثير من العائلات الجزائرية آنذاك، عادت المجاهدة في بداية لقائنا إلى سنوات طفولتها، حيث تربت المجاهدة بوقمبور في أسرة كبيرة أغلبها مجاهدون فترعرعت على حب الوطن وكره المستعمر الذي أخذ من عائلتها كل ما تملك، كما تسبب في إصابة والدتها واستشهاد الكثير ممن تحبهم.

تربية ثورية وتاريخ منطقة مجاهدة

تحدثت المجاهدة عن تاريخ أسرتها الثوري ومنطقتها التي كانت خير داعم للثورة التحريرية، خاصة وأن المنطقة كانت تمتلك الكثير من الخيرات والأراضي الزراعية، إضافة لتأخر وصول المستعمر الفرنسي لها، فقامت عائلتها وكامل (العرش) الذي تنتمي إليه بتوفير الغذاء والمأكل للثوار، فنشأت المجاهدة على معنى الثورة والشجاعة والإقدام، فلم تكن تخشى رؤية الجنود الذين صاروا يحومون حول المنطقة بعد أن بدأت القوات الاستعمارية بإنشاء ثكناتها العسكرية قرب منطقتها قصد مراقبة الوضع عن قريب، وهو ما بدأ يصعب من الاتصال بين المجاهدين والثوار.

إنشاء المنطقة المحرمة.. منعرج حاسم في حياة المجاهدة

بعد إضراب الثمانية أيام الذي شارك فيه أهلها، قامت القوات الاستعمارية بأكبر عملية تمشيط واسعة لمدة 15 سنة شملت الشمال القسنطيني، الغرض منه عزل الشعب عن الثورة، وأخذه للعيش في محتشدات تراقبهم فيها القوات الاستعمارية، من أجل قطع المساعدات والدعم عن جنود جيش التحرير الوطني، "أحرقت فرنسا أراضينا وأصيبت والدتي واستشهد الكثير من أفراد عائلتي، لم نعد نملك شيئا، لقد حاولوا قتلنا بأبشع الطرق، بحرق أغنامنا وأبقارنا في شهر جويلية داخل الاسطبل حتى نموت خنقا بتلك الرائحة بعد أن كنا من أغنى المناطق وأكثرها دعما للثورة، كل هذا عشته وأنا لم أتجاوز العاشرة من عمري".

"الجيش الفرنسي لم يقدر على مقاومة المجاهدين فحارب الشعب"

المنطقة المحرمة لم تكن فيها حياة، ودون مقدمات حتى نجد الطائرات تقصف بشكل عشوائي وما زال صوتها في أذني إلى غاية اليوم "بقيت في المنطقة المحرمة منذ 1956 إلى غاية 1958 كشعبية وفي سنة 1958 قال ضباط جيش التحرير الوطني إن من لديه مكان يذهب إليه فليفعل لأن الحياة استحالت في المنطقة المحرمة وبما أن عائلتي كانت لديها أملاك في منطقة ميلة ذهبنا إلى هناك، والذكريات السوداء تملأ ذاكرتي".

... الرحيل إلى ميلة وبداية النضال .. القادمون من المنطقة المحرمة تحت رقابة الجنود والحركى

ذهبنا لميلة وعشنا داخل مراكز خاصة، وكانت ميلة معروفة برموز الثورة، ما جعلها مكروهة لدى فرنسا، فقاموا بجلب الحركى والبياعين كما كان دخولنا وخروجنا إلى هناك بوصل يقدمه لنا المسؤول الذي عينته فرنسا، وكانت الحكومة الاستعمارية تسجل كل ساكن جديد، فقد قام والدي بتسجيلنا لديهم، وعندما علموا أننا جئنا من المنطقة المحرمة صاروا يكرهوننا ويقومون بمراقبتنا حتى أنهم كثيرا ما كانوا يجيئوننا ليلا للتفتيش، رغم أننا كنا نسكن في منزل صغير، إضافة إلى أن الثكنة تطل على فنائه، كانوا يشتموننا ويهينوننا وكانوا يقولون كلاما بذيئا لأنهم يعلمون أننا نفهم الفرنسية، كما كان الجنود يتعمدون لمس الفتيات لعلمهم أن الجزائري لا يقبل هذه التصرفات، كل هذا بعد أن أفهمهم "الحركى" أن الجزائري لديه الكرامة و"النيف".

خديجة بوقمبور .. مواصفات طفلة تحتاجها الثورة

في ميلة لم تتمكن النساء من النضال، فصعدن إلى الجبل لأنهن كن من عائلات معروفة، وأصبح المجاهدون بحاجة لمن يساعدهم شرط أن يكون عارفا بطرقات ميلة وقراءة الأرقام ولديه ملامح أجنبية ليتمكن من الحركة والمرور دون أن يثير الشبهات، وكنت الشخص المناسب وعمري تجاوز الرابعة عشر بخمسة أشهر، وبدأت بالتحرك بعد أن أخبرني والدي ودون علم أمي بالمهمة التي أوكلت لي، وصرت أنقل الأخبار للمجاهدين وأتنقل بين البيوت دون أن ينتبه لي جنود الاحتلال، وكانت هذه بداية نضالي مع الجيش السري.

"لازم تعاوني الخاوة وقريب تطلعي للجبل" قالها الأب ونفذتها الابنة

جاءت امرأة تدعى بومعزة فاطمة إلى ميلة، لا أدري من أين أصلها وكانت تعمل ممرضة في مستشفى فرنسي وتقوم بالتجول بين البيوت، وكانت تشك فينا بعدما علمت أن أمي مصابة وأن إصابتها كانت في المنطقة المحرمة، فصارت تشدد مراقبتها وأحسسنا بذلك، وبما أنني كنت كبيرة العائلة و"الحركى" بدأوا يشكون بي، قال لي أبي "قريب تطلعي للجبل"، وبعدما علم المجاهدون بهذه المرأة أرادوا قتلها وقبل ذلك أمروها بجلب السلاح، واختاروني لأذهب إليها وأعلمها بأمر المجاهدين.
كنت أتلقى التعليمات من فدائي اسمه شبوب رشيد عمره 17 سنة الذي استشهد ونكل بجسمه من أجل تخويفنا، هذا الشهيد الذي كنت أعمل معه إضافة إلى نساء مجاهدات أخريات خاصة الشهيدة عائشة لكحل التي كانت مسؤولة الدوار التي كانت متزوجة ولديها 3 أبناء، كنت أزورها وأتلقى التعليمات من عندها، هذه المرأة شجاعة.

... نقلت الأخبار للمجاهدين في العاشرة وصعدت للجبل في الخامسة عشرة

وفي أحد الأيام ذهبت للأخت عائشة وبدأت تشرح لي التعليمات وكيفية تنفيذها وفي ذلك اليوم لبست ثيابا بالية وذهبت إليها، وكان زوج أختها أكبر حركي في ميلة وكنا نتخوف منه، عندما ذهبت إليها كانت حضرت الخبز وكانت رفقة أختها زوجة الحركي، فتعاملت معي على أساس أنني متسولة وبصوت عالي حتى يسمع زوجها، وأعطتني الخبز ومعه الرصاص و وضعت لي الفلفل الأكحل حتى لا يشم الكلاب رائحة السلاح.

"الحركى" أخبروا العساكر عني والمرأة النفساء أنقذتني

وعندما كنت خارجة، سمعت العساكر وصوت جريهم، فوضعت احتمالين، إما أختها أخبرت عني أو زوج أختها اكتشف أمري وفي كلتا الحالتين يجب أن أهرب، وكانت التعليمات أن أدخل أول بيت أجد بابه مفتوحا، وفعلا جريت وكنت أشعر أنني لا أجري ودخلت أول بيت وجدت فيه امرأة نفساء اسمها سكينة بالعتروس مع رضيعها، فأخفتني تحت الخزانة وكنت أشاهد أحذيتهم وهم يتجولون في البيت، وكلما حاولوا فتح الخزانة تقوم سكينة بوخز الرضيع فيبكي بشدة، فغضب الجنود وشتموها، ثم خرجت من عندها وأنا أعلم الطريق التي ينبغي أن أقطعها جريت لمسافة 3 كيلومترات دون توقف، وعندما وصلت عند إحدى الأخوات التي تعودت العمل معها أعطتني اللبن والكسرة وقامت بقص شعري وقالت لي المكان الذي ستذهبين إليه لا يناسبه الشعر الطويل.

الليلة الأولى في الجبل.. بكاء وخوف من المجهول.. حينما قال لي المسؤول "حنا عايلتك"

وجاء المجاهد عمي النوار على بغله، وذهبت معه لمسافة 30 كيلومترا ووصلنا ليلا، ووجدت نفسي وجها لوجه مع المجاهدين ولم أكن قد رأيتهم من قبل، وكان هذا في سنة 1959، وجاء مسؤول القسم الشهيد أحمد شبيرة فوجدني أبكي و "ما عرفت نقعد ما عرفت نرقد"، فقال لي: "ماليوم قالي حنا هوما عايلتك"، وبقيت معهم يومين أو أكثر ثم قرروا نقلي للمنطقة المحرمة لأنني أعرفها جيدا وأعرف الحياة في الجبال، وعندما جاء المسؤول سألني إن كنت أعرف القراءة، فلم أستطع الجواب من شدة الرهبة التي كان يتمتع بها المجاهدون، فقال لي أعرف أنك تجيدين القراءة واكتشفت أنهم يعرفون عني كل شيء، فكل شيء عندهم مسجل وموثق ومع ذلك اختبرني ثم وجهني للتمريض وأخذني للمركز في اولاد رابح بالضبط في غار الذيبة، وهناك وجدت مجاهدة قوية جدا ووضعت لنا قطع "الكسرة" حسب عددنا.

تجريد الجنود من اللباس أول مهمة لنا

وفي الصباح توجهنا إلى مركز آخر، وجدنا فيه المجاهدة زهية قاوة مسؤولة المركز، وكنا ثلاث فتيات ننهض على الثالثة صباحا ومشينا مع المجاهدين وهناك شهدت أول اشتباك بين المجاهدين وجنود الاحتلال، وكانت مهمتي آنذاك رفقة المجاهدات بعد انتهاء الاشتباك الإسراع لتجريد الجندي من ملابسه وبسرعة البرق، وما زلت أذكر أول مرة عندما لمست رقبة الجندي الميت ووصلت برودة جسمه إلى رأسي، وهناك طريقة لم أكن أعرفها، وهي أن المجاهدات كنا يقمن برمي حجرة كبيرة على رأس الجندي حتى يضمن موته.

"أصبر نفسي" بنشيد "حيو الشمال" ونشيد "لا تنسوا الشهداء" يؤلمني

وفي السابعة صباحا بدأت الطائرات الحربية تحوم حول المنطقة للبحث عنا، وبقيت رجلي في الماء من السابعة صباحا حتى السادسة مساء والمجاهدات يمنعنني من الكلام حتى لا أتعب وتخور قواي،...ذلك اليوم طويل جدا وتعبت فيه كثيرا، فبدأت أنشد بيني وبين نفسي في "حيو الشمال" حتى أشجع نفسي و(نصبرها)، وعندما حل الليل وصلنا لبني صبيح فوجدنا المجاهدة في انتظارنا وكنت أضع لباس الجندي على كتفي، فأخذته وغسلته من الدم وجففته وغطتني به.

.. الطريق إلى بني فرقان... يوميات من المعاناة بين الصخور من أجل جلب الغذاء

وفي الصباح أرسلوني لبني فرقان من أجل ممارسة التمريض في المراكز الصحية التي أنشأها جيش التحرير الوطني في منطقة صعبة بين الصخور، حتى فرنسا لم تدخلها وهناك أقوم بالتمريض وكذا الذهاب إلى المركز من أجل جلب الأكل للجرحى، وكنت أبكي دائما لصعوبة المهمة والحياة بين الصخور وصغر السن وأحيانا الجوع خاصة في الصيف، حيث لا يوجد البلوط وفي فصل الشتاء تتمزق أحذيتنا، فنضطر للمشي حفاة، فالمنطقة التي كنت أعمل بها وعرة جدا وعندما يسقط الثلج أنتقل بواسطة الحبل فوق الوادي وكثيرا ما تجرح يداي من شدة البرد واحتكاك الحبل القوي "هو صراع دائم مع الموت" وكنت "أصبر نفسي" أننا جميعا نعيش نفس الوضعية.

يوميات بين الموت والحياة وغربة عن الأهل

وهكذا كانت أيامنا، نعيش على وقع المعارك ونتذوق طعم الموت كل يوم، إلى أن أرسلوني لمركز صحي قرب المنطقة التي يقيم بها أهلي... ومع ذلك لم أتمكن من الإتصال بهم ما عدا عمتي التي كانت مجاهدة هي الأخرى.
لولا الإيمان لما استطعنا التحمل والحياة كنا نحاول أن نروّح عن أنفسنا بالغناء بعد كل عملية ينجح فيها المجاهدون، وكذا نمازح بعضنا قصد التخفيف، وتقوم المجاهدات بارتجال الأناشيد التي تزيد من قوتنا وعزيمتنا، والنشيد الوحيد الذي لا أحتمل ترديده أو حتى سماعه هو نشيد "إخواني لا تنساوا الشهداء"، ولولا الإيمان لما استطعنا العيش في ظروف لا يعبر عنها بالكلمات، مضت أيام ثورتنا ومضى عمرنا معها، واجهنا الموت وعشنا معها لأيام.. كبرت ولا أدري كيف كبرت، انقطعت عن أسرتي.. لم أشاهد وجهي في المرآة، روائح النابالم، تكفلنا بالموتى، "ما كانش اللي يحن عليك"، كنا محميين، مازلت أحارب ذكريات بقيت راسخة ليس في ذاكرتي فقط وإنما في كامل روحي وكياني، ما زلت أذكر عندما خرجت رفقة مجاهدة لجلب الخضر من مزرعة أحد الجزائريين وبدأت الطائرة تقصف المكان دون أن تصيبنا لأنهم كانوا يريدوننا أحياء ورغم أنني لم أصب إلا أنني شعرت بالرصاص يخترق ظهري ثم اختبأنا تحت الصخور.
الاستقلال ولقاء الأهل بعد الفراق تحت راية الوطن
قبيل الاستقلال جاء قرار بتزويجنا، وفعلا هذا ما حدث، حيث تزوجت بأحد ضباط جيش التحرير الوطني، ولم ألتق بأسرتي إلا بعد الاستقلال وهناك عاشت أسرتي معاناة أخرى في البحث عني وعند لقائي لم يتعرفوا علي بسهولة.
تحية مجاهدة لحراس الحدود وحماة الوطن
وفي ختام لقائنا، أصرت المجاهدة بوقمبور خديجة على أن توجه تحية تقدير وشكر لحراس حدود الجزائر وحماتها الذين قالت إنهم أحفاد المجاهدين المدافعين عن الوطن الحبيب.

0 التعليقات:

أرسل أسئلتك في رسالة الآن هنا

foxyform

عنواني على الفايس بوك:

قناتي على اليوتوب

أعلن معنا... إعلانات الآن هنا ...


تبادل المعلومات

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More