ترجمة/Translate

||

الثلاثاء، 11 نوفمبر، 2014

النضال السياسي للنقابات العمالية في المغرب العربي (1947- 1961)

النضال السياسي للنقابات العمالية في المغرب العربي
 (1947- 1961)
 بقلم: د. المختار الطاهر كرفاع *
تشكل منطقة المغرب العربي وحدة جغرافية ذات خصائص متميزة، تسكنها مجموعة من القبائل تجمع بينها أصول عرقية واحدة( ). عاشت عبر عصور التاريخ حياة مشتركة جمعت بينها عادات وتقاليد وديانة ولغة واحدة "وإن اختلفت في لهجاتها"، واختلطت بشعوب أخرى وفدت على المنطقة، فكانت أحياناً حاكمة "شعوب المغرب" كالفينيقيين والنوميديين والليبيين بقيادة سيشنق وحكمه لمصر". أو محكومة من قوى خارجية أحياناً أخرى "كالإغريق في شرق ليبيا والرومان والبيزنطيين والو ندال والقوط الغربيين في أسبانيا وحكمهم لبعض مناطق المغرب الأقصى". ورغم تعدد مصادر الهيمنة الخارجية السياسية والدينية على هذه المنطقة، إلا أن ذلك لم يلغ الوجود والهوية الوطنية للسكان المحليين، الذين تمكنوا من الحفاظ على وجودهم برغم القوة المادية والحضارية للفاتحين، فاندمجوا مع البعض كالفينيقيين والمصريين للتقارب الكبير بين الطرفين، ورفضوا ذلك مع الرومان والو ندال.
وضلوا على حالهم حتى مجئ العرب المسلمين في القرن السابع الميلادي، والذين أعطوا للمنطقة صبغتها وهويتها التاريخية النهائية "المغرب العربي الإسلامي". وتأكد ذلك بالهجرات العربية المتلاحقة التي عرفتها المنطقة في العصور اللاحقة ومن أهمها هجرة بني هلال وبني سُليم في القرن التاسع الميلادي التي رسخت العروبة والإسلام فيها.
ونظراً لما تشكله هذه المنطقة من أهمية إستراتيجية واقتصادية فقد عرفت عبر العصور موجات من الغزو والاحتلال الأجنبي، ففي التاريخ الحديث وتحديداً منذ القرن الخامس عشر شنت الدول الأوروبية البرتغال وأسبانيا وفرنسا وإيطاليا حملات استعمارية متعاقبة قسمت على أثرها المنطقة فيما بينها. ورغم المقاومة المسلحة الشديدة التي أبدتها شعوب المنطقة، فإن موازين القوى كانت لصالح الدول الاستعمارية، ولا يعني ذلك موت المقاومة لدى هذه الشعوب. حيث أفرزت التطورات السياسية الدولية التي أعقبت الحرب العالمية الثانية، مرحلة جديدة من النضال الوطني متعدد الأشكال والأدوات، قادته منظمات وأحزاب وطنية ذات توجهات مختلفة، قومية وعلمانية ودينية، اختلفت في الأسلوب والفكر الذي تتبناه واتفقت في الهدف وهو الاستقلال التام عن القوى الاستعمارية وبناء الدولة الوطنية الحديثة.
إن التأريخ لهذه المرحلة الهامة وبأشكالها المختلفة "السياسية والعسكرية والثقافية والاجتماعية" تعد من الأعمال الهامة التي يجب أن ترى النور لتطَّلع عليها الأجيال المتعاقبة، حفاظاً على الهوية الوطنية والقومية للمنطقة، وترسيخاً لقيم وطنية خالدة دُفع ثمنها غالياً، كما أنها تعد توثيقاً للنضال المغاربي المشترك، ومن ثم الوصول إلى الهدف المنشود وهو بناء وحدة المغرب العربي (الكبير)، النابعة من النضال المغاربي المشترك عبر العصور ضد الاستعمار، والتأكيد على إنها وحدة ثابتة متجذرة، تؤكدها امتداداتها التاريخية في مرحلة ما قبل الاستعمار.
كان من بين أهم التنظيمات الوطنية التي ظهرت في منطقة المغرب العربي في أواخر الأربعينيات وبداية الخمسينيات من القرن العشرين النقابات العمالية وفي ظروف دولية غاية في التعقيد، فالحرب الباردة أصبحت سمة للعلاقات الدولية بعد انقسام العالم إلى كتلتين متصارعتين أيدلوجياً وسياسياً وثقافياً واقتصاديا، شرقية بقيادة الاتحاد السوفييتي والدول السائرة في فلكه، وغربية بقيادة الولايات المتحدة وحلفائها من أوروبا الغربية. ومن ثم كانت البلاد العربية إحدى أهم ساحات هذا التنافس الدولي المتعدد الأوجه .
شكلت سنة 1948م بداية لانقسام الحركة العمالية الدولية المتمثلة في الاتحاد العالمي لنقابات العمال ببراغ على يد الاتحاد العام للنقابات البريطانية ومؤتمر المنظمات الصناعية الأمريكية، من خلال قطع علاقاتهما بالاتحاد العالمي المذكور وبتأييد من الاتحاد الأمريكي لنقابات العمال، انطلاقا من أن النقابات العمالية يجب أن تكون بعيدة عن سيطرة الحكومات لا خاضعة لها، وبذلك تم الإعلان عن تأسيس الاتحاد الحر لنقابات العمال في بروكسل سنة 1949 م.
وفق هذا التصور ومنعاً للمد الشيوعي الذي برز عقب الحرب العالمية الثانية، كان للملحقين العماليين الغربيين خاصة الأمريكيين والفرنسيين والبريطانيين نشاط كبير من خلال توزيع المطبوعات النقابية على المهتمين بالشؤون النقابية في المستعمرات، حيث ساعدوا على إيجاد النقابات والاتحادات العمالية وضمها إلى الاتحاد الحر لتقوية مركزه ضد الاتحاد العالمي. ومما لاشك فيه أن السعي إلى تأسيس حركات عمالية في البلاد المستعمرة لم يكن الهدف منه مصلحة العمال والرفع من شأنهم وتحسين أحوالهم المعيشية، بقدر ما كان الغرض تقوية الاتحاد الحر. لكن النتائج من وراء هذا النشاط الغربي جاءت بعكس ما توقعته تلك الدول، ذلك أن المنظمات العمالية التي قامت في المستعمرات حملت على عاتقها مسؤولية الكفاح الوطني من أجل التخلص من الاستعمار والهيمنة الاجنبية، وساهمت مساهمة فعالة في البناء الاقتصادي والاجتماعي لشعوبها.
لم تكن منطقة المغرب العربي بعيدة عن التطورات السابقة الذكر، إذ أنها كانت تعيش مرحلة الكفاح الوطني من أجل الاستقلال، وكان العمال من بين أهم الشرائح الاجتماعية التي لعبت دورا هاما في ذلك النضال، رافضة الواقع الذي تعيشه شعوب المنطقة تحت السيطرة الاستعمارية وسعياً للتحرر وتكوين الدولة الوطنية.
قاد تلك الحركات النقابية قادة وزعماء تركوا بصماتهم على تاريخ شعوبنا المغاربية رغم بساطة مستواهم التعليمي والاجتماعي والمادي، أمثال محمد الشريف وسالم شيته من ليبيا، وفرحات حشاد من تونس، ومحجوب بن صديق من المغرب، وعبد القادر معاشو من الجزائر، وغيرهم كثيرون ممن تدين لهم به الأجيال الحاضرة من حرية واستقلال رغم عدم قدرتها على تحقيق ما نادى به أولئك القادة من أهداف ومبادئ لتحقيق وحدة المغرب العربي.
لم تكن الحركات العمالية في المغرب العربي خلال الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين بعيدة عن الأحداث السياسية التي عاشتها المنطقة آنذاك من صراع ضد القوى الأجنبية المحتلة لبعض أقطارها كما في تونس والجزائر، أو رفضًا للوجود الأجنبي وتدخلاته في الشؤون الداخلية كما في ليبيا والمغرب، الأمر الذي دفع بالحركات النقابية على الولوج إلى عالم السياسة والانغماس فيه ومن ثم اصطدامها بالحكومات المحلية الموالية للقوى الأجنبية، وترتب على ذلك قمع سياسي واعتقالات وتصفية جسدية للعديد من القادة النقابين على أيدي المنظمات الإرهابية الفرنسية كما حدث مع النقابي فرحات حشاد أو على أيدي الأجهزة الأمنية في الحكومات المغاربية.
تحاول هذه الورقة تتبع النشاط السياسي على المستوى المغاربي للنقابات العمالية في دول المغرب العربي خلال مرحلة الكفاح الوطني في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين، من خلال المؤتمرات التي عقدها قادة الحركات النقابية والمبادئ التي نادوا بها والبرامج السياسية والاقتصادية التي طرحوها لحل بعض المشاكل التي تعترض العمل المغاربي المشترك.

مؤتمر تونس 1947،1951 م.
تعود أولى خطوات النشاط السياسي للحركات النقابية المغاربية إلى الاتحاد العام التونسي للشغل، من خلال مؤتمره التأسيسي الأول الذي انعقد سنة 1947م حيث أكد في بيانه التأسيسي على ضرورة توحيد أقطار المغرب العربي بإضافة ليبيا إلى الخارطة السياسية للمنطقة، بعد ما كان مصطلح المغرب العربي قبل هذا التاريخ يقتصر على تونس والجزائر والمغرب الأقصى، وهو ما نرى فيه دلالة على أن شعوب المنطقة نجحت في العودة إلى هويتها الوطنية والقومية رغم كل الجهود التي بذلها الاستعمار لطمس تلك الهوية. ولعل من بين العوامل المساعدة على هذه العودة إنشاء الجامعة العربية في القاهرة سنة 1945م، التي رغم كل ما قيل في أسباب إنشائها ودور بريطانيا في ذلك ولتكون أداة بديلة عن الوحدة العربية الشاملة، برغم كل ذلك فإن ظهور هذه الجامعة وما قامت به من دور فعال في نشر الوعي والحس الوطني والقومي لاشك أنه وراء هذا المد القومي والوطني في المغرب العربي، خاصة بعد ما أصبحت القاهرة قبلة المناضلين العرب فتم تأسيس مكتب المغرب العربي سنة 1948م آخذاً على عاتقه تحرير هذا الجزء من الوطن العربي من ربقة السيطرة الاستعمارية.
وتأكيداً على هذا النشاط السياسي للاتحاد العام التونسي للشغل بحكم المرحلة التي يعيشها كمرحلة كفاح وطني ضد الاستعمار بكل صوره وتلاحمه النضالي مع الأشقاء في منطقة المغرب العربي، وجه الدعوة إلى قادة الحركات النقابية في كل من ليبيا والجزائر والمغرب - وهى لم تكتسب الشرعية القانونية من السلطات الاستعمارية في بلدانها بعد - لحضور المؤتمر الرابع للاتحاد المذكور المنعقد في الأول من مايو 1951م بمناسبة عيد العمال العالمي حيث جاء على لسان أمينه العام فرحات حشاد ما نصه "إن لقاء قادة الحركات النقابية في ليبيا وتونس والجزائر والمغرب هو بمثابة عيد للوحدة المغربية والتحرير، فبهذا العيد يحتفل الشعب الجزائري وشعب مـراكش وشعب طـرابلس لإقامة الدليل على أنها شعوب متحدة المرمى والأهداف ومستعدة للقضاء على الاستعمار المشترك".
إن هذا الحديث عن الوحدة المغاربية وفي تلك الفترة المبكرة من تاريخنا المعاصر، تعطي الدليل على مدى النضج السياسي والحس الوطني والقومي الذي كانت عليه قيادات الحركات النقابية في بلدان المغرب العربي في بداية الخمسينيات من القرن العشرين، وتعطي الدليل أيضاً على إدراكها للحقيقة التاريخية لشعوب هذه المنطقة من حيث وحدة التاريخ والهدف والمصير.

 مؤتمر طنجـة أكتوبر 1957 م.
ازداد التلاحم السياسي وتطابق الآراء بين الحركات النقابية الأربع حول العديد من القضايا الهامة التي كانت تعيشها المنطقة آنذاك، ولعل أهمها قضية الاستقلال الكامل عن السيطرة الغربية. وتوج هذا التلاحم بعقد العديد من المؤتمرات واللقاءات بين قادة الحركات النقابية المغاربية " سالم شيته عن الحركة العمالية الليبية، أحمد التليلي عن الحركة العمالية التونسية، محجوب بن صديق عن الحركة العمالية المغربية، عبد القادر معاشو عن الحركة العمالية الجزائرية "، كان أولها مؤتمر طنجة بالمغرب الذي انعقد أيام 20 - 23 أكتوبر1957 م والذي تناول فيه المؤتمرون العديد من القضايا الهامة التي تهم شعوب المنطقة ومن أهمها قضية تحرير أقطار المغرب العربي تحريراً كاملاً من جميع القيود التي تربطها بالاستعمار، ومن ثم الدعوة إلى أن التضامن بين الأقطار الأربعة لم يعد مرتكزاً على العاطفة فقط بل أصبح أساسه الواقعية والفاعلية.
احتل هذا المؤتمر مكانة بارزة في تاريخ الحركة النقابية في المغرب العربي نظراً للموضوعات التي بحثها المجتمعون، والتي شكلت نهجاً سياسياً واضحاً للحركة النقابية المغاربية آنذاك. حيث أكد المجتمعون في الجانب السياسي على الآتي:
- عزم الطبقة العاملة في المغرب العربي على مواصلة عملها وتوحيد جهودها لتحقيق وحدة أقطار المغرب العربي السياسية .
- تعزيز التضامن والعمل المشترك من أجل تحرير الجزائر من السيطرة الفرنسية.
- دعوة حكومات ليبيا وتونس والمغرب للعمل على استكمال السيادة الوطنية لتلك الدول، وذلك بإجلاء الجيوش الأجنبية وتصفية القواعد الموجودة على أراضيها.
- دعوة جميع الهيئات والمنظمات الوطنية في الأقطار الأربعة إلى القيام بعمل مشترك من أجل التحرير الكامل والشامل لأقطار المغرب العربي وتوحيدها.
أما في الجانب الاقتصادي فقد أكد المؤتمرون على التوصيات الآتية:
- حث حكومات المغرب العربي على الاستقلال من التبعية الأجنبية في المجالات الاقتصادية والمالية.
- ضرورة الإسراع في تحرير التجارة الخارجية للبلدان المغاربية من الاحتكارات الأجنبية، وتوسيع حجم المبادلات التجارية بين الأقطار الأربعة وبين بقية دول العالم .
- العمل على إنشاء وإصدار عملة مغاربية موحدة.
- ضرورة البدء في التنمية الاقتصادية الشاملة في الأقطار الأربعة وتعزيز العلاقات الاقتصادية البينية، وانتهاج سياسة مشتركة فيما يتعلق بالمواضيع ذات الاهتمام المشترك.
أما على المستوى الاجتماعي فقد خرج المجتمعون بالتوصيات التالية: 
- مطالبة حكومات ليبيا وتونس والمغرب باعتبارها دولاً مستقلة سياسياً بتوحيد التشريعات الاجتماعية في بلدانها، وذلك بانتهاج سياسة تشمل التشغيل والتكوين المهني وإنشاء نظام الضمان الاجتماعي وتعميمه.
برهن مؤتمر طنجة على مدى وعي وإدراك الحركات النقابية في الدول المغاربية الأربع للأوضاع التي تمر بها بلدانهم سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، بل تعدى الأمر إلى وضع برنامج عمل وجهته إلى حكوماتها يتضمن حلولاً لكل المشاكل التي تعيشها أقطارها. لذلك كانت قرارات مؤتمر طنجة تعبيراً عن تطابق الرؤى بين المنظمات النقابية والمواقف الشعبية في بلدان المغرب العربي، وهو ما جعل الحكومات المغاربية في موقف حرج أمام شعوبها نتيجة ضعف مواقفها من القضايا المصيرية للمنطقة "دعم الثورة الجزائرية" ومن ثم للأمة بأكملها "القضية الفلسطينية"، الأمر الذي نتج عنه تأزم في العلاقات بين الحكومات المغاربية والحركات النقابية المغاربية.

مؤتمر جنيف مارس 1958 م.
بعد لقاء طنجة السابق الذكر وتأكيداً على تفعيل العمل السياسي للنقابات العمالية المغاربية وتفاعلها مع الأوضاع في المنطقة، التقى قادة الحركات النقابية المغاربية الأربع في جنيف يومي 8 - 9 مارس 1958 م على هامش اجتماعات منظمة العمل الدولية، حيث تناول القادة النقابيون الموضوعات الآتية:
- الأوضاع الراهنة في المغرب العربي وأهمها القضية الجزائرية .
- دراسة مشاريع منظمة العمل الدولية في أفريقيا.
- توسيع جهاز التنظيم الجهوي للاتحاد الحر لتسهيل عملية التعاون بين الحركات النقابية المغاربية الأعضاء في الاتحاد وبين بقية المنظمات النقابية الأفريقية.
أكد لقاء جنيف إصرار الحركات النقابية المغاربية على الاهتمام بأوضاع المنطقة السياسية ومتابعتها، وهى خطوة لا نعتقد أنه كان من الممكن تجنبها من القادة النقابيين، ذلك أن ظروف المنطقة المتمثلة في اشتداد النزعة الوطنية نحو الاستقلال وإجلاء المستعمر والحرب المستعرة في الجزائر، وطبيعة المرحلة المتصفة بمعاداة الاستعمار وتصفيته وحق الشعوب في تقرير مصيرها، علاوة على الظروف الدولية المنوه عنها في بداية هذه الورقة، عوامل كلها كانت تصب في هذا الاتجاه السياسي للحركات النقابية المغاربية. لذلك جاءت توصيات القادة النقابيون في هذا المؤتمر مشتملة على الآتي:
- إجماع القادة الأربع على اتهام الاتحاد الحر بالتقصير تجاه القضية الجزائرية وعدم إدانته للأعمال الإجرامية التي تقوم بها فرنسا في الجزائر.
- مقاطعة فرنسا اقتصادياً وعدم تفريغ سفنها الراسية في المواني المغاربية والتشهير بها عبر وسائل الإعلام المختلفة.
- استقلالية الحركة النقابية في المغرب العربي عن الاتحاد الحر ورفض فكرة تكوين فرع له في المنطقة.
نظرة فاحصة للتوصيات السابقة يتضح منها إلى أي مدى انغمست الحركات النقابية المغاربية في العمل السياسي دون النقابي، بل إن هذا النشاط لم يكن دعاية إعلامية، إذ تحول إلى عمل ميداني ملموس من خلال البرامج التي نفذتها كل حركة نقابية في بلادها، ففي ليبيا على سبيل المثال قامت الحركة العمالية خلال الفترة التي تلت ذلك المؤتمر وحتى سنة 1961م بحملة تشهير كبيرة ضد فرنسا اشتملت على عدم تفريغ السفن الفرنسية الراسية في المواني الليبية، وحث المواطنين الليبيين عبر وسائل الإعلام المختلفة بوجوب مقاطعة فرنسا اقتصادياً، وإقامة أسابيع الجزائر في مختلف المدن الليبية، وجمع التبرعات لصالح مجاهدي الجزائر.
تسارعت الأحداث في المنطقة بفعل تداعيات الثورة الجزائرية، حيث تصاعدت الأصوات المطالبة بتصفية الوجود الفرنسي نهائياً، وتحديداً من قاعدة بنزرت في تونس، وما نتج عنها من أحداث دامية بين الشعب التونسي والقوات الفرنسية، ولذلك فمثلما وحدت القضية الجزائرية الحركات النقابية المغاربية ضد فرنسا في الجزائر، فقد وحدتها أيضاً في تونس من خلال أحداث بنزرت والاعتداءات الفرنسية المتكرر على بقية الدول المغاربية ولذلك جاء مؤتمر صفاقس1961م.

مؤتمر صفاقس أغسطس 1961 م 
جاء هذا المؤتمر ترسيخاً للعمل السياسي وزيادة في الولوج إلى عالم السياسة، ويتضح ذلك من التوصيات التي خرج بها والتي تضمنت:
- عزم الطبقة العاملة في الأقطار المغاربية الأربع على مواصلة الكفاح المسلح لتحرير المغرب العربي الكبير تحريراً كاملاً، وتخليصه من جميع الرواسب الاستعمارية والقضاء على كافة مظاهر الهيمنة الأجنبية.
- مناهضة الجماهير المغاربية لجميع الأحلاف مهما كان نوعها وتقويض القواعد الأجنبية المفروضة على بلادها حتى يتقلص ظل الاستعمار تقلصاً كاملاً وتكتمل سيادته الوطنية.
- قناعة المسؤولين عن الحركة العمالية في الأقطار الأربعة بأن تدعيم الحركة العمالية الصحيحة وتوحيد أهدافها وغاياتها، من شأنه تحقيق النهوض بالطبقات الشعبية وتحريرها من كل القيود للوصول بشعوبنا إلى حياة أفضل قوامها الحرية والرفاهية والعدالة الاجتماعية.
وشعوراً من الحركات النقابية الأربع بقوتها على الساحة الوطنية أقام الاتحاد العام التونسي للشغل في ختام هذا المؤتمر مهرجاناً شعبياً إحياءً لذكرى شهداء الطبقة العاملة في تونس، تحدث فيه القادة النقابيون عن نضال العمال في سبيل تحرير بلادهم من السيطرة الأجنبية، وما تحمله تلك التضحيات من معاني في النفوس، حيث أبرز الأمين العام للحركة العمالية الليبية في كلمته "إن 5 أغسطس كان عاملاً في بعث الحركة العمالية في شمال أفريقيا، ولذا وجب أن يتجاوز التضامن العربي حدود التصريحات والبرقيات لأننا لا نريد أن يعيد التاريخ خيبة فلسطين، ويكفي عبرة لنا توسيع دائرة التضامن بين كل الشعوب المضطهدة التي يقاسمها المصير المشترك لإيجاد قوة عمالية لا شرقية ولا غربية لإيقاف تيار الاستعمار الذي تدافع عنه فرنسا في الجزائر".
شكل هذا المؤتمر والمؤتمرات التي سبقته تحدياً للحكومات المغاربية وتحديدا في ليبيا وتونس والمغرب، وعاملاً مهماً في سوء العلاقة بين الحركات العمالية المغاربية وحكوماتها التي كانت تأمل أن تكون الحركات العمالية جزءًا من النظام السياسي لتلك الدول، لا منظمات مستقلة عنها، وهو ما دفع الحكومات المغاربية وخاصة في تونس وليبيا إلى العمل على تحجيم دور الحركة النقابية من خلال جعلها ضمن النظام السياسي الحاكم، ففي تونس تمكن الرئيس الحبيب بورقيبة من جعل الاتحاد العام التونسي للشغل خاضعاً لسيطرة الحزب الدستوري وجزء من هيكلية الحزب، وإبعاد القادة النقابين المناوئين له، وبهذا الانقلاب أصبحت الحركة العمالة التونسية جزءً من الحزب الدستوري الحاكم. أما في ليبيا فقد تعرضت الحركة العمالية إلى التحجيم من قبل السلطة السياسية سنة 1961 م، حيث زج بالكثير من قياداتها في السجن بسبب مواقفها على المستوى المحلي والمستوى القومي وتحديداً المغاربي. ذلك أن الحركة العمالية الليبية كانت هي التنظيم الوحيد الذي سمحت له الحكومة بممارسة نشاطه. ولذلك كسب هذا التنظيم قاعدة جماهيرية ضخمة حتى قيل عنها "إن الحركة العمالية لليبية ما هي إلا تنظيم سياسي غير معلن، وهي الفئة الوحيدة المؤهلة لأن تتحول إلى حزب سياسي إذا سمحت الحكومة بذلك". بينما كانت الحركة العمالية الجزائرية تشكل جزءًا من حزب جبهة التحرير الحاكمة، أم الحركة العمالية المغربية فربما تكون هي الحركة العمالية الوحيدة التي لم تكن تشكل جزءًا من السلطة السياسية في المغرب، ولعل ذلك يعود إلى التعدد السياسي الذي عرفته المغرب منذ استقلالها دون غيرها من الدول المغاربية، ولا يعني ذلك تمتعها بكامل حريتها كما هو الحال في العالم الغربي.
إن نظرة فاحصة لتاريخ الحركات النقابية وقادتها ومن ثم إلى دورهم الفعال في ترسيخ مفهوم الوحدة المغاربية ولو مرحلياً، تؤكد لنا عمق ونضوج وصحة تلك التوجهات، فقد سبق أولئك النقابين بتفكيرهم وتوجهاتهم تفكير السياسيين، من خلال ما وضعوه من برامج تتعدى مجالات نشاطهم النقابي، فالتحرر من التبعية الاقتصادية والسياسية واستكمال السيادة الوطنية والدعوة إلى وضع برامج اجتماعية للرفع من المستوى الاقتصادي للطبقات العاملة، وتحرير التجارة العربية وإيجاد عملة مغاربية موحدة، لا شك أنها إطروحات هامة تتمشى والتحديات التي واجهتها المنطقة ولا زالت.
أخيراً ورغم مرور ما يقارب نصف قرن عن تلك الأفكار والجهود لأولئك القادة النقابيين، إلا أن المنطقة ما زالت تراوح في المكان الذي تركها فيه أولئك النقابيون، بفعل متغيرات كثيرة لا يتسع المجال لذكرها. لكن يبقى الأمل دائماً ملازم للإنسان، فلعل الأجيال القادمة تستطيع تحقيق ما عجزت عنه الأجيال السابقة وما ذلك -على الله- بعزيز.
* قسم التاريخ، كلية الآداب، جامعة السابع من أبريل ( الزاوية)
27 سبتمبر 2010 – عن المركز الوطني للمحفوظات والدراسات التاريخية

0 التعليقات:

أرسل أسئلتك في رسالة الآن هنا

foxyform

عنواني على الفايس بوك:

قناتي على اليوتوب

أعلن معنا... إعلانات الآن هنا ...


تبادل المعلومات

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More