ترجمة/Translate

||

الاثنين، 3 نوفمبر، 2014

الأسطورة السومرية



الأسطورة السومرية :

              تروي الأسطورة أنه لم يكن ثمة شيء قائما في غابر الأزمان سوى الماء الغَمْر الواسع. كان هذا الغمر يسمى إبْسو وله اله اسمه أَبْسو. وكانت لأبسو زوجة اسمها تِيامات. كانت هذه دميمة الخلق وحشية المظهر ذميمة المخبر فكانت تجمع في نفسها كل مظاهر القوة والرعب، وكانت تتخذ من أشكال الحيوان المائي والبري ما يلقي الرعب أو قد يثير الاشمئزاز والقرف. وعلى شاكلة تيامات كان أولادها الذين كانوا يتخبطون داخل هذا الغمر الواسع. جميع أفراد هذا الفريق كانوا آلهة شريرة.
              وكان لإبسو سيد آخر اسمه إيا (أو إنكْي) وهذا كان يملك أسرار المعرفة، ومن ثم لم يكن شريرا بالمعنى الكامل. وكانت زوجته دَمْكِيا بعيدة عن الشر أيضا.
              وكان الفضاء الفسيح الذي يعلو الغمر يرئِس الآلهة فيه أنو وكانت زوجته تدعى أَنْتوم. وهذان الزوجان من الآلهة انجبا إلّيل (إنْليل) إله الريح العاتية، وكان له تابع اسمه أنوغي (وسمي غيغي أيضا). وإلّيل هو الذي خلف أباه أََنو لما فاضت روحه.

                  وكان لألّيل أخت تدعى إنّانا هي إلهة الحب والحرب، وقد انتقلت هذه فيما بعد غربا فصار اسمها عِشتار. وكان بين آلهة الفضاء لوغال دُل زاغا، الذي تبدل اسمه فيما بعد وأصبح مَرْدوخ (وسنستعمل له هذا الاسم في روايتنا). وكان من الطبيعي أن يوجد اله يبادل إنّانا الحب، ومن ثم فقد تم خلق دوموزي، الذي أصبح اسمه في الغرب فيما بعد تموز. وكان ثمة إلهة اسمها إرْشْكيغال هي سيدة العالم السفلي، الذي لم يكن مكانه محددا قط. وهذه كانت تطلق الأوبئة والأمراض حين يحلو لها ذلك. ومع أنه كان ثمة آلهة أخرى، فإننا سنكتفي بهؤلاء الآن إلى أن يرد إله له دور معين فنشير إليه، إلا أننا يجب قبل ذلك إن نشير إلى أدَد الذي لم يكن له عمل معين، ولكنه كان يقوم بالدور الذي يكلف به من قبل الآلهة الكبيرة والقوية. والمهم أنه فيما كان سكان إبْسو آلهة الشر، كانت آلهة الفضاء هي آلهة الخير. والخير والشر يختلفان ويتخاصمان، ويتم ذلك بواسطة أعداد مختلفة من الآلهة الصغرى.
              وتِيامات هي التي أثارت الحرب. ذلك إنه عزّ عليها أن يسود السلام والهدوء الفضاء، فجمعت هُوَلَها وتسلم القيادة زوجها أَبْسو ومومو وكِنْغو، وكان على رأس القيادة الخيّرة إيا مع إلّيل وسِن (اله القمر) وشَمَش وأنوكي. لم تطل المعركة، وانتهت بقتل أَبْسـو. وهنا ثارت ثائرة تِيامات فتزوجت كنغو وأخذت تعد لحرب ثانية تثأر فيها لقتل زوجها أَبْسو.
              أعدت نفسها وقواتها لمعركة فاصلة مع الآلهة المضادة: زادت أعوانها عددا ونوعا، وجاءت بجماعة من نسل الشياطين الأشداء لنصرتها، وضمت الضباب والغيوم والزوابع والأعاصير والبرق تحت جناحيها، وجعلت كِنْغو على القيادة، أن تزوجته.
              أدرك إيا، قائد جناح الخير في المعركة، أنه لن يتمكن من مقاومة هذه القوى الشريرة. فاستشار إنشار الإله الحكيم، فارتأى هذا وجوب عقد مجمع للآلهة لتتخذ القرار المناسب للوضع الراهن. عقد الاجتماع وحضره الإله الشاب مَرْدوخ (ابن إيا) الذي كان قد أصبح الإله الشمس. في هذا الاجتماع عَيَّن الآلهة مَرْدوخ قائدا عاما للحملة ضد تِيامات وجموعها.
              أعدّ مَرْدوخ نفسه للمهمة: حمل قوسا ورمحا وهراوة، وملأ نفسه نارا، وسير البرق أمامه، وأخذ شبكة كبيرة لاصطياد تِيامات نفسها، وأثار العواصف الهوجاء، وركب الزوبعة التي جرتها خيول أربعة قوية، وتمنطق بالتعاويذ والتمائم.
              لما رأى كِنْغو، زوج تيامات الجديد وقائد القوى الشريرة، استعداد مَرْدوخ أُسْقِط في يده، فحنقت تيامات عليه ومن معه واشتد غيظها. دعاها مَرْدوخ لمنازلته، فقبلت التحدي. وبدأت بالتغريم بقصد تقييده بسحرها ورُقاها، فلم يؤثر ذلك فيه. عندها ألقى مَرْدوخ شبكته حولها، ونفخ الريح في وجهها، فامتلأت أحشاؤها، ثم طعنها بالرمح  فشقها شطرين. ولم يستطع أتباعُها الهرب لان مَرْدوخ هاج الرياح الأربع عليهم فتسّمروا في أماكنهم: قيض مَرْدوخ عليهم وداسهم مع قائدتهم، ثم فلق رأسها بهراواته. وأخذ شقي تِيامات فجعل من الواحد الَجلَد (قبة السموات) ومن الآخر الأرض.
              أصبح مَرْدوخ رأس الآلهة، فاعد لهم أماكن للسكن، وصنع النجوم كلها ووضع قواعد سيرها وحركاتها.
              سُرّت الآلهة بادئ بدء، لكنها لم تلبث أن ضجرت واحتجت بأنه ليس ثمة من يعبدها ويقدم لها القرابين. فأعلن مَرْدوخ أنه سيخلق الإنسان من دم وتراب. واتفق الآلهة على أن يكون كِنْغو الضحية ليمزج دمه بالتراب.
              وهكذا تم الأمر؛ قتل كِنْغو، ومزج دمه بالتراب، فتم خلق الإنسان من هذا المزيج.
              وأخذ بنو البشر يتزايدون، وكانوا يجمعون قوتهم اليومي من نبات البرية، ويقنصون الحيوانات التي كانت تسرح وتمرح في الأرض الواسعة، ويصطادون السمك من نهري أدِغْلاتو (دجلة) وفُراتو (الفرات) والنهيرات التي تصب فيهما.
              وأطلت الآلهة على فئات الشعب التي كانت تقدم لها القرابين فتصعد رائحتها لتزكم أنوفها فكانت تسر بذلك.
              عملت الآلهة، بإرشاد مَرْدوخ وإدارته إلى تعليم الإنسان كيف يدجن الماعز والغنم، وحتى الثيران والحمير، وكيف يزرع الشعير والقمح والنخيل. وأَرْشدَ البشرَ إلى إقامة الاخصاص من سعف النخل والأكواخ من جذوعه، وحتى إلى بناء أكواخ من الطين الصلصالي الموجود هناك بكثرة.
              إلا أن إلّيل (إنْليل) الذي كان أحد كبار الآلهة واله الرياح والأعاصير، لم يعجبه أن يظل أتباعه متفرقين في بيوت وأكواخ واخصاص متباعدة وأرادهم على أن يجتمعوا في مكان واحد – في مدينة. اختار من الأرض قطعة واسعة، وبنى حولها سورا، وأقام في الجزء المرتفع منها هيكلا سُمي "زاغوراة" لعبادته وحمل الناس على سكنى المكان المسوّر.
              كان القوم أول الأمر يخرجون صباحا إلى حقولهم أو مراعيهم أو أماكن الصيد والقنص، ويعودون مساءً، ولم يكن هذا ما قصده إلّيل من تجميع السكان في المدينة. أرادهم أن يقيموا – أو بعضهم على الأقل – في المدينة اليوم كله – نهاره وليله. فحملهم على أن ينقلوا ما يحصلون عليه إلى المدينة، ليتبادلوه فيما بينهم فيها. فكان بدء الاتجار.
              ورأى إلّيل أن البيوت والأسوار والزاغوراة (الهيكل) تحتاج إلى صيانة وإصلاح. فارتأى أن يكون ثمة صنّاع يقومون بهذه المهمات. وعندها كان لا بد للمدينة من ينظم شؤونها ويدبر أمورها فكان أن أوجد نظاما كان الملك أو الحاكم يتربع على رأسه. وهذا كان بطبيعة الحال يقوم بعمله نيابة عن الإله.
              هكذا أوجد إلّيل مدينة نيبور (نغّار اليوم). أُعجبت الآلهة بالذي أنشأه إلّيل فأخذت ببناء مدن لأتباعها. فبنى إنو أورُك (ورقة أو وركاء) وهي الوارد اسمها في العهد القديم باسم إرك. وأقام إيا أَريدو (بو شهرين) وأنشأ مَرْدوخ برسيبو، ورفع سِن – اله القمر – سِبّار (أبو حبة) ولارْسا (سَنْكرا). أما إنانا (عشتار) فبنت كيش وكانت حصة إرْشْكيغال اور (تل المقير). وكان ثمة مدن أخرى مثل جَرْصو ولاغاش (تِلوة)، هذا فضلا عن مدن أخرى كثيرة سكتت الأسطورة عنها أو نسيها رواة الأساطير فيما بعد.
              هذه الأساطير السومرية التي تعود، على ما توصل إليه البحث العلمي فيها، إلى الألف الخامس قبل الميلاد على الأقل. والشعب الذي أعطى هذه الأساطير نماذجها المختلفة أو حتى المتباينة في التفصيل، هو الشعب السومَري الذي استقر في بلاد سومَر (جنوب أرض الرافدين) في أزمنة سحيقة، وهو الذي بدأ حياة المدينة في تلك البقعة من الأرض. ومن هنا فإن الدور الأول للحضارة هناك هو الدور السومَري.
              على أنه يتوجب علينا هنا أن نذكر ملاحظة لها الكثير من الأهمية بالنسبة للقارئ. ذلك أن الأسطورة هذه لم يدونها السومَريون مع أنهم كانوا قد اخترعوا الكتابة، بل رويت فترة طويلة تنوعت خلالها الروايات بشأنها، ولم يدون أكثرها إلا في النصف الأول من القرن الثامن عشر قبل الميلاد أو بعد ذلك في بابل. ولذلك فهي معروفة لدى الباحثين بالأساطير البابلية غالبا.
        هذه الأساطير التي تتعلق بوجود الإنسان وتطوره الأول في حياته وقيام المدن ووصف الحياة الأولى، هي جزء من الأساطير التي أبدعها الإنسان القديم للتحدث عن مشكلاته وطموحاته. فهناك إلى جانب أسطورة الخليقة أسطورة غلغامش واهتمامه بالحصول على عشبة الحياة الأبدية وأسطورة الطوفان التي دخلت سابقتها وقصة "أدابا" الذي يود أن يرقى إلى صف الآلهة وذلك بالطيران المستمر نحو السماء، وقصة هبوط عشتار إلى العالم السفلي، وقصص إرّا وإتانا وانزو. ومثل ذلك كثير.

0 التعليقات:

أرسل أسئلتك في رسالة الآن هنا

foxyform

عنواني على الفايس بوك:

قناتي على اليوتوب

أعلن معنا... إعلانات الآن هنا ...


تبادل المعلومات

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More