ترجمة/Translate

||

الاثنين، 16 أبريل 2018

ذكرى يوم العلم 16 أفريل 2018

ذكرى يوم العـلم 16 أفريل

الحمد لله الذي فضل العلم على الجهل ، فقال : " قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ "وأشهد أن لا إله إلا 
الله وحده لا شريك له العليم بمن يصلح لحمل العلم والدين ، والقائل ثناؤه : "   اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، القائل : " من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين" صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليما . أما بعد.
مقدمة

لقد اعتدنا على الاحتفاء كل عام بمناسبة يوم العلم   16 من شهر افريل ، وكلما أظلتنا هذه الذكرى تمثلت أمام أعيننا صورة  العلامة عبد الحميد  ابن باديس رحمه الله ، تلك الصورة التي من الصعب أن تمحى من ذاكرتنا .
وفي البداية أود أن أوضح مسألة هامة تتعلق بجعل 16 من شهر افريل مناسبة للعلم ، ومعلوم أن هذا التاريخ  يصادف وفاة العلامة ابن باديس رحمه الله  !  وهنا يتساءل البعض :
 -لِمَ اختير يوم وفاته يوما للعلــــم ؟
 -وهل تحتفل الأمة بوفاة علمائها ؟
  -أم أن العلم انطلق في الجزائر بوفاة  ابن باديس ؟
 -ولماذا لا يكون يوم مولده -مثلا - أو يوم تأسيسه لجمعية العلماء هو يوم العلم ؟
وقد أجيب عن ذلك بأجوبة متعددة ومتنوعة ، والجواب المقنع – فيما أرى – هو كما يلي :
-أن  ابن باديس قد تصدى بقوة للمخططات الفرنسية الهادفة إلى طمس هوية الأمة !
-وأنه قد دخل في سباق مع فرنسا فسبقها ، إذِ انقلبت على أعقابها خائبة لم تنلْ خيرا!
-ولما توفي ابن باديس أقامت فرنسا الأفراحَ ابتهاجا بموته ، وقال قائلها آن لفرنسا أن تطمئن على بقائها في الجزائر فقد مات ألد أعدائها !
-وأجاب قائلنا – وهو محمد العيد – مخاطبا ابن باديس بعد موته :

نم هادئا فالشعـب بعد راشــدُ          يختط نهجك في الهدى ويسيرُ

لا تخش ضيعة ما تركت لنا سدى  فالـــــوارثون لما تركت كثيرُ ولا جرم أن ابن باديس إنما أحيى الجزائر وقهر فرنسا بالعلم ، وهذا العلم لم يمت بموت ابن باديس ، بل ورثه عنه كثيرون ؛ وعلى هذا الأساس اختير يوم وفاة ابن باديس يوما للعلم ، وكأننا بذلك الاختيار نقول لفرنسا : أنه لا داعيَ لئن تفرحي بموت ابن باديس ؛ لأن العلم الذي قهرك به لم يمت بموته ، بل ورثته الجزائر برمتها ، وعلى أسسه قامت الثورة التحريرية المباركة ، التي اقتلَعْت جُـــذورَ الخَـــــــــائنينَ الذين كان منهم كل العطب ، وَأَذاِقتْ نفُوسَ الظَّــــالـمِــينَ السـمًّ يُـمْـــزَج بالـرَّهَـبْ 
.
فضل العلم ومكانة العلماء

أيها الإخوة الكرام: فاتخاذ يومِ وفاةِ ابنِ باديس يوما للعلم لا غرابة فيه إذْ هو يعبر عن انتقال التركة العلمية التي خلفها ابن باديس إلى الأجيال من بعده ، تلك التركة التي لولا ها لما استطاع أمتنا أن تحافظ على هويتها الوطنية ، ولما استطاعت أن تحقق نصرا أو تطرد عدوا ، فبالعلم ترتفع الأمم إلى أعالي الدرجات ، وبالجهل تهبط إلى أسفل الدركات ، وفي القرآن المجيد : " يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات " و لا شك أن من يعيش في ظلمات الجهل لا يمكنه أن يدرك عظمة الله ، و لا يمكنه أن يعرف طريق الحق أو يهتدي إليه ؛ فأنى له أن يجلب لنفسه نفعا أو يدفع عنها ضرا ؟! ولهذا أعز الله العلماء وأعلى منزلتهم ، وقرنهم بنفسه وملائكته في الشهادة له بالوحدانية ، فقال جل شأنه : " شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم "
وإعزاز الله للعلماء يقتضي منا أن نعظمهم و نوقرهم ونقدرهم حق  قدرهم ، فالأمة التي لا توقر علماءها و لا تعرف لهم قدرا و لا فضلا ؛ أقل ما يقال فيها أنها أمة لئيمة ! ثم إن مصيرها إلى الخراب والاندثار ، لأن الحياة بدون العلماء ظلمات بعضها فوق بعض :
فــــ )العلم يبني بيوتاً لا عماد لها - والجهل يهدم بيوت العز والكرم (

ورحم الله الإمام الشافعي إذ يقول :

ما الفضلُ إلا لأهل العلم إنهـــمُ    على الهدى لمنِ استهدى أدلاّءُ
وقدر كلّ امرئ ما كان يحسنه     والجاهـلون لأهل العلم أعـــداءُ
ففز بعلم تعـش حيـاً به أبــــدا      الناس موتى وأهل العلم أحياءُ

و من هؤلاء العلماء الذين ينبغي أن نعرف لهم قدرهم  : صاحب الذكرى عبد الحميد بن محمد المصطفى بن مكي بن باديس الصنهاجي ، االمولود بمدينة قسنطينة سنة (1889م) ، الذي كرس حياته لتعليم الأمة ، وإصلاح أوضاعها الثقافية والاجتماعية والتربوية والسياسية والاقتصادية...لقد أحيى - رحمه الله - أمة ، وكان وحده أمة ، واستطاع أن يؤثر في نفوس الجزائريين ويستميل قلوبهم إليه ، لا بعلمه الغزير فحسب ! بل بهمته وشخصيته المتميزة أيضا، وبأخلاقه الرفيعة التي من جملتها :
الحرص على نفع أمته.
والتواضع لمن يتتلمذون على يديه ويتعلمون منه.
وما أحوجنا نحن اليوم إلى هذه الأخلاق لأداء الأمان المنوطة  بأعناقنا ،  فالتعليم النافع السليم الذي يوتي ثماره هو : الذي يصدر من معلم متواضع لمن يعلمهم مع حرصه على ذلك ؛ لأن المعلم في أي مجال كان هو بمنزلة المنقذ أو الطبيب.
فالمنقذ لا يستطيع إنقاذ الغريق إلا إذا نزل إليه.
وكذلك الطبيب لا يستطيع أن يداوي مريضه إلا إذا انحنى إليه وفحصه ولو كان متعفنا ، وهكذا كان ابن باديس رحمة الله عليه ، وهكذا ينبغي أن نكون نحن إن أردنا تبرئة ذمتنا أمام الله وأمام التاريخ.

ابن باديس و جهوده في التربية والإصلاح

أيها الإخوة الكرام:  لقد كان ابن باديس فعلا شمعة مضيئة في ظلام دامس قد تركه الاستدمار الفرنسي ، فقبل مجيئه كانت الجزائر تتخبط  في أوحال الجهل و البدع والخرفات ، التى غرسها الاحتلال في أبناء وطننا ، إلى أن جاء شيخنا بعد تخرجه من جامع الزيتونة عام  1912م وبعد أدائه لفريضة الحج سنة ، فانطلق في إنقاذ أمته ، وكله حماسة وقوة و نشاط ، ورأى أن أول خطوة ينبغي القيام بها هى جانب الإصلاح وغرس العقيدة الصحيحة في أبناء شعبه ، فطفق يعلم الكبار والصغار والرجال والنساء .. .ليلا ونهارا سرا وجهارا سفرا وإقامة ...غربا وشرقا شمالا وجنوبا..وقد بلغت دروسه في اليوم والليلة خمسة وعشرين درسا .
وقال له أحد رجال الاستعمار ذات يوم: " إما أن تقلع عن هذه الأفكار و إلا أغلقنا المسجد الذي تنفذ فيه سمومكم ضدنا "فأجابه الشيخ قائلا : " لن تستطيع ذلك !  فأنا إن كنت في عرس علمت المحتفلين ، وإن كنت في مأتم وعظت المعزين ، أو في قطار علمت المسافرين... فأنا معلم مرشد في جميع الميادين وخير لكم أن لا تتعرضوا لهذه الأمة في دينها ولغتها "
فكان يتنقل بين المدن والقرى  لتعليم الجزائريين وتقوية همتهم وإثارة نار الحماسة في قلوبهم .

ولم يكتفي بهذا فحسب ، بل كتب في العديد من الصحف والجرائد عربية كانت أو أجنبية ؛ للتعبير عن مطالب الشعب الجزائر ونظرته للاحتلال الفرنسي ، وارتقى بمشواره الدعوي إلى تأسيس أعظم جمعية أنداك ، وهي : جمعية العلماء المسلمين الجزائرين ، في 1931 م  وعين رئيسا لها لجدارته ونشاطه ، ووضع  لها أهدافا سامية ، منها :
غرس المبادئ والمقومات التى حاول المحتل الفرنسي أن يمحوها من أذهان أبنائنا ، وهي :العروبة والإسلام
فأنشد في ذالك أبياته الرائعة الخالدة :

شعب الجزائــــــــــر مسلم  والى العروبة ينتسـب
                                                مــن قال حاد عن اصلـــه  أو قال مات فقد كذب

وظل رحمه الله يناضل من أجل دينه ووطنه وشعبه إلى أن توفاه الله  في 1940 م . فانتقل إلى بارئه  عن عمر يناهز الخمسين عاما ، ولقد تضافرت الروايات على أنه مات مسموما .
فرحمة الله عليك يا شيخنا عشت عالما ، و مت شهيدا ، فنحسبك عند الله مع الذين قال فيهم جل جلاله :" ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون"
الخاتمة

أيها الإخوة الكرام: بعد هذه الوقفة الموجزة مع ذكري يوم العلم نستخلص النتائج الآتية:
أولا : الأمة الجزائرية قد أريد لها أن تبتلعها الصليبية الماكرة إلى الأبد ،  وقد وضع المحتل لذلك مخططات رهيبة ، واتخذ وسائل عدة لتحقيقها .
ثانيا : أن عبد الحميد بن باديس قد سابق فرنسا فسبقها ، فأحيى هذه الأمة الجزائرية وسلك مسالك شتى  للمحافظة على أصالتها و هويتها ، فهو معدود بلا منازع ممن قال فيهم النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم : " إِنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا ."
ثالثا : أن الثورة التحريرية ما هي إلا ثمرة لجهود ابن باديس الإصلاحية ، إذ هيأ لها التربة الصالحة والمناخ الملائم ؛ بما غرس من عقيدة صحيحة في القلوب ، وبما أو قد من حماسة في النفوس ،  وبما أرسى من وحدة في الصفوف ، وقد لمح لإشعال تلك الثورة بوصيته الخالدة التي عهد بها إلى الجزائريين من بعده :

مـــَنْ كَــــان يَبْغي وَدَّنَـــا                   فَعَلَى الْكَــرَامَــةِ وَالـرّحبْ
أوْ كَــــــانَ يَـــــبْغـي ذُلَّــنـَا                    فَلَهُ الـمـَهَـانَـةُ والـحَـرَبْ
هَــــذَا نِــــظـــامُ حَـيَـاتِـنَــا                      بالـنُّـورِ خُــطَّ وَبِاللَّـهَـبْ
حتَّى يَعـــــودَ لـقَــــومـــنَـا                   من مَجِــدِهم مَــا قَدْ ذَهَبْ
هَـــذا لكــــُمْ عَـهْـــــدِي بِــهِ                   حَتَّى أوَسَّــدَ في الـتُّـرَبْ

فَــإذَا هَلَكْــتُ فَصـــَيْـحـتـي  تَحيـَا الجَـزائـرُ وَ الْـعـرَبْ
رابعا: أن كل هذه الإنجازات العظيمة الت حققها العلامة ابن باديس عائدة في مجملها الى العوامل الآتية :
   العامل الأول :  الصدق والإخلاص قي الأقوال والأفعال .
العامل الثاني :العقيدة الإسلامية الصحيحة الخالية من الشرك و البدع والخرافات.
العامل الثالث : العلم بالقرآن والسنة والتمسك بهما ، والعلم بما يتصل بهما من علوم ، وفي طليعتها علم اللغة العربية التي لا يفهم الكتاب والسنة إلا بها .
 العامل الرابع:  الوحدة الوطنية .
فحافظوا أيها المؤمنون على هذه العوامل الأربعة ، فهي سر قوتكم ، وعماد نهضتكم ، وأساس وجودكم ، وسبيل نصرتكم.
جعلني الله وإياكم من عباده الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه ، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولجميع المسلمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.


للأمانة  الموضوع منقول من موقع الشيخ العيد بن زطة مع بعض التنسيق.

اقرأ المزيد

الأحد، 15 أبريل 2018

مواضيع وحلول شهادة التعليم المتوسط 2007-2017 مادة التاريخ والجغرافيا

مواضيع وحلول شهادة التعليم المتوسط 2007-2017 
مادة التاريخ والجغرافيا
في ملف واحد rar
نتيجة بحث الصور عن مواضيع 2007-2017
لتحميل مواضيع وحلولها شهادة التعليم المتوسط


اقرأ المزيد

الأربعاء، 11 أبريل 2018

دعاء لشهداء تحطم الطائرة العسكرية ببوفاريك 257 شهيدا




دعاء لشهداء الوطن الابرار

اللهم أرحم الشهداء برحمة واسعة من عندك
اللهم اسكنهم فسيح جناتك مع الانبياء والصديقين
اللهم تقبل شهادتهم
اللهم اسكنهم الفردوس الأعلى
اللهم اجلعهم ممن تظلهم تحت عرشك يا رب العالمين
اللهم اغفر لهم وارحمهم برحمتك ياارحم الراحمين وصبر اهلهم
اللهم امين يارب العالمين
الله يرحمهم ويرحم جميع آمة محمد يارب العالمين
نتيجة بحث الصور عن شهداء ولاية برج بوعريريج تحطم الطائرة


نتيجة بحث الصور عن شهداء الجزائر 11 أفريل 2018




اقرأ المزيد

الاثنين، 9 أبريل 2018

الشيخ عبد الـحميد بن باديس ( خاص لوئام الحاج الطاهر وشمس هان)

الشيخ عبد الـحميد بن باديس
الـمربي و الـمصلـح الديني



 ولد عبد الـحميد بن باديس، رئيس جمعية العلـماءالـمسلـمين الـجزائريين وأحد أعلام الـحركةالإصلاحية الإسلامية في الـجزائر خلال النصفالأول من القرن العشرين، يوم 5 ديسمبر 1889    بقسنطينة حيث وافته الـمنية يوم 16 أبريل1940، كان ينحدر من عائلة عريقة تعود أصولها إلى بنيزيري .وبلوغين بن زيري، مؤسس الـجزائر العاصــمة،أحد أشهــر أعضــاء هــذه العائلــة الأميرية.  و قدحفظ عبد الـحميد بن باديس القرآن في مسقطرأسه،  وفقا للـمناهج التقليدية، كما تعلـم قواعداللغة والأدب العربي وأصول العلوم الإسلامية.


وقد أوكلت مهمة تعليمه وتهذيبه، وهو لا يزال طفلا، إلى حمدان لونيسي، وكان من أتباع الطريقة التيجانية الصوفية، وكان تأثيره عظيـما مستديـما على الشيخ بن باديس. هذا الأخير، الذي انتسب، ابتداء من سنة 1908 ، إلى جامعة الزيتونة، بتونس، تأثر هناك كذلك، بأساتذته خاصة منهم الطاهر بن عاشور، من أتباع الـحركة السلفية الإصلاحية الداعية إلى العودة إلى إسلام مطهر من كل ما شابه من شوائب وهي الـحركة التي انتشرت خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر في الشرق الأدنى وفي مصر.  وبعد حصوله على الشهادة سنة 1912، مارس عبد الـحميد بن باديس التعليم بالزيتونة لـمدة سنة، وفقا لـما كان متعارفا عليه  في هذه الـجامعة التونسية.

بعد أدائه مناسك الـحج بـمكة الـمكرمة والـمدينة الـمنورة، حيث توجه إثر انتهاء دراسته في تونس، تعرف عن كثب على حركة الوهابيين الإصلاحية الـمتشددة وهي في أوج انتشارها بالبقاع الـمقدسة. واجتـمع مجددا، خلال إقامته بالـمدينة الـمنورة، بحمدان لونيسي، أول أساتذته، الذي انتقل للإقامة بـمدينة الرسول صلى الله عليه وسلـم، حيث باشر تعميق معارفه على يديه وعلى يد أساتذة آخرين.

بعد عودته إلى الـجزائر، امتهن بادئ الأمر، من سنة 1913 إلى سنة 1925، التعليم والتنشيط الثقافي، قبل أن يكرس طاقته ويوجهها لإصلاح الـممارسات الدينية السائدة في البلاد. وخلافا للرأي الذي أشاع له مؤرخون وناشرون، فإن الـحركة الإصلاحية الدينية في الـجزائر لـم تولد من العدم على أيدي ابـن باديس ورفاقه.
  
 ذلك أن نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين قد شهدتا بروز مفكرين إصلاحيين تـمثلهم مجموعة من العلـماء والأساتذة الـمقتدرين بالـجزائر العاصمة وقسنطينة وتلـمسان وغيرها، من أمثال الشيخ مجاوي والشيخ بن سماية والشيخ بن على فخار، الذين أدانوا الـممارسات الظلامية لبعض الطرق الدينية وتلك الـمتصلة بـمن كانوا يعتبرون أولياء صالـحين، لورعهم أو نسبهم. كما نددوا بسيطرة إدارة الإحتلال على الشؤون الدينية والإسلامية. وقد التقى الشيخ محمد عبده، خلال زيارته سنة 1905 إلى الـجزائر العاصمة وقسنطينة، بالعديد من هؤلاء العلـماء الـمعلـمين.

وقد تطورت الـحركة الإصلاحية في الـجزائر ما بين الـحربين العالـميتين بفـضل ما بذله ابن باديس ومجمـوعة مـن أتبـاعه الأوفياء، من قدامى تلاميذه ومن رفاق له تلقوا، في معظمهم، تكوينهم بتونس أو في الشرق الأوسط. وقد استرشدت هذه الـحركة بفكر ونشاط محمد عبده ورشيد رضا، لكنها اتسمت، كذلك، بـميسم أفكار الوهابيين الـمتزمتة، بل الـمتشددة في أحيان كثيرة، حيث أخذت عنهم عديد الأفكار والـممارسات.

وكان هدف ابن باديس، العقل الـمدبر والقائد الـمنشط لهذه الكوكبة، الذي اجتـمعت فيه صفات النزاهة والأمانة الفكرية اللامتناهية والذي هام حبا بالـجزائر ولغتها ودينها، هو تطهير الإسلام الـجزائر من كافة الـممارسات التي لا تتفق مع القرآن والسنة من حيث هما الـمصدران الوحيدان للعقيدة الإسلامية. هؤلاء الرجال الـمتفانين والـمتطوعين كانوا يرومون جميعهم، عن طريق التربية والكتاب والصحافة، بعث سنة السلف الصالـح في عهود الإسلام الزاهـرة الأولى، مع تكييفها مع ما تقتضيه آفاق التفتـح على حداثة معتدلة. كان على الـمسلـمين، في نظرهم، أن يجعلوا السلف الصالـح مثلهم الأعلى فأطلقوا على أنفسهم، اسم السلفية، مثلـما كان الـحال في الشرق الأوسط. كما عرفوا باسم الإصلاحية.

حال عودته إلى البلاد إذن، ومن 1913 إلى 1925، خصص عبد الـحميد بن باديس جهوده وما أوتي، كمربٍ، من ملكات ومواهب، للتعليم، بدءا من العلوم التربوية كالأدب والتاريخ والـجغرافيا إلى العلوم الـمدنية والدينية. وكان يوجه نشاطه التربوي نحو الشباب، ذكورا وإناثا، والكبار، على حد سواء :
ففي سنة 1917، افتتـح درسا عموميا بـمسجد سيدي قموش بقسنطينة.
كان ينظم، بـمقر رابطة الإغاثة الإسلامية بقسنطينة، وبـمساعدة تلامذته، دروسا مسائية للكبار. وكان برنامج الدراسة يتضمن تعليم اللغتين العربية والفرنسية.
سنة 1918، أبان ابن باديس عن قدرته التنظيـمية الفائقة بإرسال الدفعة الأولى من الطلبة الـجزائريين إلى جامعة الزيتونة بتونس، وكان الـمأمول أن يصبحوا إطارات للتعليم الـحر، فاتـحين الـمجال لبعثات دراسية مبرمجة دوريا. 

- شجع ونظم و أشرف على بروز العديد من الفرق الـموسيقية والـمسرحية والأندية الرياضية عبر التراب الوطني.
-   كان من بين أوائل القادة الذين أدركوا مدى الـمساهمة التي يـمكن للـحركة الكشفية تقديـمها في تأطير الشباب وهيكلته ضمن منظمات جماهيرية.
-   ومن جهة أخرى، ظهرت شيئا فشيئا إلى الوجود، بإيعاز منه وتـحت إشرافه، مراكز ثقافية كان أشهرها نادي الترقي بالـجزائر العاصمة الذي كان يشرف على إدارته الطيب العقبي، أحد رفاق الأستاذ الأوفياء.

 لقد اتـخذ نشاط الـمجموعة من أجل إحياء الـمسلـمين الـجزائريين أخلاقيا، وبعث إسلام أصيل في نظرها، وتأكيد الشخصية العربية الإسلامية للشعب الـجزائري أشكال عدة. كما تـخندقت، للدفاع عن مثلها، في خندق الصحافة.
     
هكذا قام عبد الـحميد بن باديس، ابتداء من سنة1925، بنشر جريدة الـمنتقد وفي أعمدتها باشر،هو و رفاقه، نشر الأفكار الإصلاحية. ومنعتالـجريدة من الصدور ابتداء من عددها رقم 18لأنها كانت، في رأي الإدارة الاستعمارية،تـحريضية. لكن ابن باديس بقي على إصرارهوأصدر بعدها عدة منشورات دورية، تبقى أشهرهاالشهاب، التي صدرت من 1925 إلى1939، حيثقرر الشيخ إيقافها تـخوفا، حسب ما يراه بعضالـمؤرخين لسيرته الذاتية، من أن يضطر إلىاتـخاذ موقف لصالـح هذا أو ذاك من الطرفينالـمتصارعين في أوروبا.
ثاني وسيــلة استعملـها ابن بــاديس ورفــاقه كانــت إنشــاء الـمدارس لتعليم اللغة العربية ومبادئ إسلام مجدد.
وإذا كانت جريدة "الشهاب"  تعلن عن إنشاء 70 مدرسة، إلى غاية سنتي 1934 - 1935، مكونة من قسم أو قسمين وموزعة على مختلف جهات الوطن، يدرس فيها 3000  تلـميذ، فإن جمعية العلـماء، التي تـم إنشاؤها سنة 1931، قد نشرت، سنة 1950، قائمة من 124 مدرسة، بها سلك تربوي يضم 274 معلـما. وأعلنت نفس الـجمعية، سنة 1954، عن عدد 40000 تلـميذ يرتادون مؤسساتها الـمدرسية. وكانت قد أنشأت، سنة 1947، بقسنطينة، معهد ابن باديس الثانوي الذي كان يتولى تكوين الـمعلـمين والطلبة الـمدعوين إلى مواصلة تعليمهم في فاس وتونس والشرق الأوسط.

وقصد جمع كافة الإرادات الـحسنة التي رمت بثقلها في الكفاح من أجل تـجديد الإسلام، انضم ابن باديس ورفاقه، سنة 1931، لشيوخ أهم الطرق الدينية و أنشأوا جمعية العلـماء الـمسلـمين الـجزائريين. تـم انتـخاب عبد الـحميد بن باديس رئيسا لـجمعية العلـماء الـمسلـمين الـجزائريين خلال اجتـماع للـجمعية العامة التأسيسية، بنادي الترقي، بالـجزائر العاصمة، سنة 1931، ضم رفاق وتلامذة الشيخ وأتباعه ومندوبين من داخل البلاد. وكان مجلس الإدارة الأول للـجمعية يضم: الطيب العقبي، مبارك الـميلي، البشير الإبراهيـمي والعربي التبسي.

وهكذا، فقد استـحوذ الإصلاحيون على أهم الـمناصب في الـجمعية وهمشوا، بسرعة، مــمـثلي الطرق. بعد سنة واحدة، تـمت القطيعة مع شيوخ الطرق الذين شكلوا، بدورهم، جمعية علـماء الـجزائر السنيين. وقد أدى الصراع الـمفتوح والقطيعة بين الـمجموعتين الـمتعارضتين، العلـماء الإصلاحيين من جهة، وشيوخ الطرق والزوايا من جهة أخرى، إلى زرع البلبلة في أوساط الشعب، خاصة منه الفلاحين وسكان الـمناطق الداخلية الـمتـميزين ببساطتهم الطبيعية في أداء الشعائر الدينية والذين كانوا لا يزالون جد متـمسكين بزواياهم، خاصة و أن هذه الزوايا كانت لها سلطة روحية معتبرة ونفوذا عميقا فيـما يتصل بالـمسائل الدنيوية : التعليم، التـحكيـم، الضيافة، الأعمال الـخيرية.....

  ينبغي التأكيد على أن الإصلاحيين قد أبانوا، مبكرا، عن وطنية معتدلة  تقترب  من وطنية  أتباع حزب بيان  الشعب  الـجزائري لفرحات  عباس، على الأقل فيما يتعلق بإشكالية انعتاق الشعب الـجزائري وأنهم قد تطلعوا باستمرار إلى تغيير للسياسة الاستعمارية الفرنسية.  كان شعارهم هو الثلاثية :"الإسلام ديننا، العربية لغتنا  والـجزائر وطننا".

كان نهج الإصلاح الإسلامي، إصلاح العلـماء الـمجتـمعين حول الـمعلـم القائد، ابن باديس، يقوم أساسا على العودة إلى الـمرجعين الأساسيين للإسلام : القرآن والسنة.  فكانوا يدعون إلى إحياء الإسلام، وأعمالهم التي كانت تتـخذ مرجعا دائما لها إسلام السلف الصالـح الـمطهر من البدع الـمذمومة، كانت هجوما مركزا على كافة الأوساط التقليدية، الـمتهمة بنشر صوفية ظلامية، راجعة القهقرة، متناقضة وقيـم الإسلام الأصيلة. وكانوا ينددون، بوجه أخص، بالتبجيل الذي كان يحظى به الأولياء الصالـحون ويتهمون شــيوخ وأتبــاع الزوايا والطرق بالشعوذة وكتابة التـمائم وحتى بالشرك. وكانوا يقدمونهم على أنهم مستغلون للشعب ومستغلون، دون وازع ولا رادع، لسذاجة سكان الريف.

وإذا كان ابن باديس نفسه، الذي يقدم على أنه متصوف، لـم يعتـمد دائما القسوة تـجاه الطرق الدينية بحكم تـحليه بفضائل الاستماع والتسامح التي تليق بواحد من أتباع ابن عربي وجلال الدين الرومي، فإن أعضاء آخرين في الـجمعية أظهروا، عكس ذلك، تشددا عقائديا أدى إلى انقسام بعض مدن البلاد إلى معسكرين متعارضين تـحدث بينهما مواجهات حول علوم الدين والأخلاق والـممارسة اليومية للشعائر الدينية. وقد قادوا، مرارا، حملات قاسية، بل عمدوا في بعض الأحيان إلى الشتـم والتـجريح والتشهير والسخرية ضد أتباع الـممارسات الدينية الشعبية.

 ولـم تسلـم من هذه الـحملة بعض الزوايا التي كان على رأسها رجال خيّرون، حقيقـون بالإشـادة والتنــويه. وقام بعض شيوخ الزوايا، توخيا للـحفاظ على سلطتهم وما كانوا يتـمتعون به من مزايا، بالتقرب من الإدارة الاستعمارية التي عرفت كيف تستعيدهم وتستعملهم، بطريقة ماكيافلية، ضد العلـــماء الإصلاحــيين والأحزاب الداعية إلى الاستقلال، على حد سواء.

وشيئا فشيئا، وحتى يتـجنب الإجراءات العقابية للـحكم الاستعماري التي كان يجسدها الـمنع الـمتكرر لصدور الـجرائد ومنع تعليم اللغة العربية، فإن ابن باديس قد امتنع تكتيكيا، في برامج نشاطه وفي جهوده الرامية إلى تـحقيق انعتاق الشعب الـجزائري، امتنع عن التطرق إلى الآفاق والأهداف السياسية. ولـم ينفك، هو ورفاقه، ينادون بالانتماء العربي الإسلامي للشعب الـجزائري. وجندوا نفسهم لـخدمة الوطن عن طريق التعليم ونشر الثقافة العربية الإسلامية. وموقف التـحصن الثقافي الـماهر هذا الذي تبناه ابن باديس ورفاقه قد وقف سدا في وجه ممارسات الـمحتل وتصرفات الآباء البيض الرامية إلى استلاب الشعب وإحداث القطيعة بينه و بين هويته ورصيده الـحضاري. و سينجح الـمسعى الشجاع للـمصلـحين الدينيين في كبح ما كان يتعرض له الشعب الـجزائري من طمس لشخصيته و تفريق لصفوفه. وقد كان النجاح، بـما لا يدع مجالا للتشكيك، حليف هذا الكفاح الـمتستر  ضد العرقية و الـجهوية، ضد الأدواء والآفــات التي اختلقــتها وحفـزتها وأذكتــها العقول الـمدبرة للاستعمار. وهكذا، شاركت الـحركة الإصلاحية، التي أطلقها ونشطها ابن باديس، دون أن تعلن أبدا موقفها صراحة من استقلال الـجزائر، شاركت في تـجذير الوطنية التـحررية وفي توسيع رقعة مقاومة الـممارسات الاستعمارية الفرنسية الرامية إلى تـمديد الاحتلال الإمبريالي إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

وكان الهدف الأسمى لقائد الإصلاح الديني هو الـمحافظة على شخصية الـجزائر، موحدة ومتـجانسة وجزءا لا يتـجزأ، في كنف خصوصياتها العرقية، الدينية والثقافية.

إن انعدام الانتماء السياسي لابن باديس، الواضح والـجلي على الأقل في بدايات نشاطه، لـم يـمنعه من الاضطلاع بدور الصدارة في تنظيم ونشاط الـمؤتـمر الإسلامي الـجزائري الذي انعقد في يونيو 1936 بالـجزائر العاصمة وضم التيارات السياسية الرئيسية في البلاد، باستثناء دعاة الاستقلال، وطالب الـمؤتـمر بـمنح الـجنسية الفرنسية، مع الاحتفاظ بقانون الأحوال الشخصية، لنخبة من 20000 جزائري، أي لفئة اجتـماعية مكونة من الـحائزين على الشهادات ومن الـموظفين الـمتعلـمين الذين كان بإمكانهم، بالتالي، الـمشاركة في مختلف الانتخابات، مع الـمنتـخبين الأوروبيين أو الأقدام السوداء. ورغم اعتدال الـمطالب الهادفة إلى تـحسين الوضع الـمزري للشعب الـجزائري، فإن الـمعمرين والإدارة الاستعمارية قد أجهضوا، بكل ازدراء، هذا الـمشروع.

عند وفاته، سنة 1940، خلف ابن باديس العديد من التلاميذ والأتباع والرفاق الذين حاولوا مواصلة عمله. وكان أشدهم وفاء واستـماتة في سبيل استقلال الوطن هو، بلا منازع، الشيخ العربي التبسي. وقد اختطفته الشرطة الفرنسية خلال حرب التـحرير الوطنية ولـم يتـم أبدا العثور على جثته.

وخلافا لبعض أعضاء جمعية العلـماء الـمسلـمين الـجزائريين، فإن ابن باديس لـم يلـجأ أبدا إلى العنف الكلامي مع الـمناوئين له، حتى شيوخ الزوايا منهم. لقد كان أكثر طمأنينة وتسامحا وتفتـحا من العديد من رفاقه وكان يتـحلى بالتواضع ونكران الذات والزهد طوال حياته كمفكر ملتزم بالـجبهات التي فتـحها. كان يريد أن يضم الأوساط الـمعادية والـمشككين واللامبالين إلى مشروعه العظيـم الـمتـمثل في مجتـمع أخضعت أسسه الدينية والثقافية للإصلاح. واتـخذ نفس الـموقف الـمتسامح والـحليـم مع الأعراق والديانات الأخرى في البلاد، فلـم يتـخل أبدا عن إنسانية عميقة كان ينهلها أساسا من معتقداته الدينية و من التعاليـم الثمينة التي زودته بها محصلته الثقافية التي جمعها و هو بعد شاب يافع، في بلده أولا، ثم خلال رحلاته التعليمية في الوطن العربي.
وتـخليدا لذكرى إمام القرن، الشيخ عبد الـحميد بن باديس، وتكريـما لـمآثره و هو الـمربي العظيـم و أحد أبرز رجالاتنا، قررت السلطات العمومية أن يكون يوم 16 أبريل يوما للعلـم.



1 - آثاره « باللغة العربية ».
-   مبادئ الأصول : نص قدمه و حققه عمار طالبي - الشركة الوطنية للنشر و التوزيع - الـجزائر، 1980 - 48 صفحة.
-   العقائد الإسلامية من الآيات القرآنية و الأحاديث النبوية - قدمه وعلق عليه محمد حسن فضلاء، دار البعث، قسنطينة، 1985 - 120 صفحة.
-   آثار عبد الـحميد بن باديس - وزارة الشؤون الدينية - الـجزائر، 1985 - 4 أجزاء.
-   مجالس التذكير، وزارة الشؤون الدينية - الـجزائر، 1991.

2 - الأعمال النقدية لـمؤلفاته « باللغة الفرنسية ».
-    علي مراد : ابن باديس، مفسر القرآن الكريـم، جوتنر - باريس 269 صفحة، الشركة الوطنية للنشر والتوزيع، الـجزائر، 1971، 269 صفحة.
-   علي مراد : « الإصلاح الإسلامي في الـجزائر من 1925 إلى 1940، » باريس، موتون - 1967 - 474 صفحة.
المصدر : موقع المرادية

اقرأ المزيد

أرسل أسئلتك في رسالة الآن هنا

foxyform

عنواني على الفايس بوك:

قناتي على اليوتوب

أعلن معنا... إعلانات الآن هنا ...


تبادل المعلومات

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More