ترجمة/Translate

||

الاثنين، 3 نوفمبر، 2014

العراق القديم



العراق القديم

(1)
يعود اهتمام اوروبا بالمشرق الى القرون الوسطى ، وذلك بسبب الحركة التجارية التي نشطت على ايدي البنادقة والجنوبيين وايام الحروب الصليبية . وحتى اكتشاف طريق جنوب افريقيا الى المحيط الهندي لم تقض على الحركة التجارية بين اوروبا والبلاد الشرقية .

         على ان هذا الاهتمام التجاري لم تلبث ان اضيفت اليه نواح سياسية مهمة . ويعود ذلك خاصة في العصور الحديثة الى ظهور ثلاث قوى اوروبية كانت لها في اقطارنا الشرقية اهتمامات ومصالح وهي روسيا وبريطانيا وفرنسا . وزادت هذه الاهتمامات لما اصاب الدولة العثمانية التضعضع السياسي والحربي . فتفتحت العيون على احتمال اقتطاع اجزاء من هذه الدولة.  وقد تم هذا الامر في اوروبا بالذات اولا" ثم في المنطقة الاسيوية ( والافريقية ) في القرنين التاسع عشر والعشرين .

         ومع ان الرحالين والتجار الذين زاروا البلاد الشرقية كتبوا عتها الكثير فقد كانت كتاباتهم،  على وجه العموم لا تعدو الوصف السطحي لاثارها ومعالمها . اذ ان المصادر التي يمكن الاعتماد عليها ،لدراسة بلاد مثل العراق ، كانت شحيحة ولا تتسم ،الا فيما ندر،بأي دقة او معرفة وثيقة .

ويمكن اجمال هذه المصادر فيما يلي(1) كتاب وضعه بيّروس وهو كاهن بابلي عاش في القرن الثالث قبل الميلاد في تاريخ العراق القديم . وهو في الواقع مجموعة من القصص والاساطير والحكايات . ويقسم فيه تاريخ بابل القديم الى فترتين ، واحدة ما قبل الطوفان وثانية ما بعده . ويروي ان ملوك ما قبل الطوفان كانوا عشرة حكموا (422.000) سنة اما بعد الطوفان فقد حكمت البلاد خمس وعشرون اسره لمدة (36.525) سنة .

         وكان لدى "الباحثين " ما ورد عند كتاب اليونان والرومان ، مثل هيرودتس وبليني وستيرابون، وهو قليل ولا يتناول الازمنة الموغلة في القدم . وكان العهد القديم من الكتاب المقدس يعتبر " التاريخ الصحيح" لتاريخ ارض الرافدين ، بما فيه من اساطير وقصص ترتبط بتاريخ العبرانيين اصلا" . وكانت ثمة اخبار وردت في كتب العرب المبكرة ، ولكن اكثر تلك الاخبار كان المقصود منها تبيان ما كان عليه القوم من ضلال قبل ان يصلهم الهدى .

(2)

كانت اثر الشعوب والدول القديمة ماثلة للعيان ، ولكن كل ما يمكن ان يقال عنها هو وصف ، مع بعض " التحزر " احيانا" ؛ هذا مع الانتباه الى ان الكثير من الابنية الهامة في جنوب البلاد كان قد زالت معالمه لانه كان مبنيا" من اللبن الذي لم محروقا" دوما" ،اما آثار الشمال فقد غلب عليها البناء الحجري ، ومن ثم كانت معالمها اوضح . لكن من اين المعلومات والاخبار .


والمعروف ان الامم القديمة كانت قد تركت نقوشا" وآجرات كتيرة في البلاد . لكن هذه , مع ان الكثير منها جُمع او نُقش ، لم تكن منها فائدة لان رموز الكتابة لم تكن قد حُّلت بعد .

الا ان الامر تبدّل بعض الشيء , لما بدأ الاوربيون ، الذين كانوا اصلا من العاملين في السلك القنصلي ، ينبشون عن هذه الاثار ويدونون ما حصلوا عليه ويصّورونه وينقلون النقوش . وكان اول من ضرب معولا للحفر الاثري في العراق بوتا-“Botta”( سنة1842  في نينوى،   قرب الموصل ، حيث كان مركز عمله كقنصل لفرنسة . ثم انتقل الى شروكين حيث كشف عن قصر سرجون الثاني الاشوري ( 721-705 ق.م.) .لكن الحفر الجدي الاثري بدأ في العراق على يد لايارْدْ (Layard) سنة (1817-1894) القنصل البريطاني في الموصل ، الذي عمل مدة اطول وكان عمله منظماً . فهو الذي كشف عن قصور الاشوريين ووصف الفن الاشوري المعماري في نمرود ونينوى وسواهما .

وجاء بعد ذلك دور لوْفتوس (Loftus) الذي عمل في بابل – في الجزء الجنوبي من ارض الرافدين – فتم على يديه درس وَرْقة ( أوروك القديمة ، والتي يرد اسمها  إرْك ( في الكتاب المقدس ) . فضلا ًً عن ذلك فقد اخرج من الاثار نقوشاً تعود الى ازمنة قديمة ( اتضح فيما بعد انها تعود الى الالف الثاني ق. م.) .

وحضر تايلور (Taylor  ) في اور ( تل ألمقير ) في الجنوب ايضا" .


(3)

وجاء الفرج لما انتهى رولنصن (Rolinson) الى حل رموز الكتابة المسمارية (1856) والواقع ان العمل على ايدي عدد من الباحثين ، لكن رولنصن كان دوره اكبر فهوالذي انتهى العمل على يديه . عندها اصبح في يد الباحثين المصدر الاصلي للتاريخ البابلي كله ، فكان ذلك ايذاناً بالبدء في كتابة تاريخ موثق – الى درجة كبيرة . ذلك ان آلاف الوثائق والنقوش اصبح من الممكن كشف اسرارها .

الا ان اعمال الحفر الاثري لم تتوقف الا بعض الشيء في اواخر القرن التاسع عشر ليعود اليها النشاط  على شكل اوسع بين الحربين العالميتين – الاولى والثانية . ومما هو جدير بالذكر ان ارض الرافدين وقعت تحت الحكم البريطاني ، فكان ايسر على الباحثين ان يحصلوا على الاذن اللازم للعمل .

فقد حفر وولي (Woolley) في اور ( بين 1952 و 1934 ) . وحفر مالوان (Mallowan) مع وولي في أوْرْ اولاً  ثم في قرية صغرة في شمال سورية (الجزء المجاور لشمال العراق ) تسمى تشغار بازار ، بحثا" عن الاصول الزراعية .

وجدير بالذكر انه بعد الحرب العالمية الثانية قام علماء الآثار العراقيون مثل طه باقر ومحمد صقر وسواهما بحفريات كان لها شأن في توضيح امور كثيرة . ولعل عمل طه باقر في الكشف عن اسطورة جلجافش حرية بالذكر على نحو معين .
(4)

وفي السبعينات والثمانينات من القرن العشرين طرأ على البحث الاثري – التاريخي فكرتان جديدتان ، اخذ علماء الآثار ، بدءاً ببريدوود ( Braidwood ) وزميله هاوْ (Howe ) ، يهتمون بهما : الاول بدء الحياة الزراعية والثاني قيام المدن ونشوء فكرة الدولة : هذا بعد ان كان البحث الاثري يتناول الابنية الضخمة والتجارة ووسعها ومراكزها . وفي سبيل تحقيق فكرة نشوء الزراعة ، مثلا" ، اخذ بريدوود فريقاً فيه علماء الدراسات الارضية ونباتيون وخبراء في قضايا العظم الى منخفضات الزعزوس في العراق حيث عثر الفريق بعد التنقيب هناك على حال لا يقبل الشك يوضح قيام الزراعة وتربية الحيوانات الاليفة في جارمو في الالف السابع ق.م.

اما مالوان الذي حفر في تل ابراشية فيما بعد فقد ثبت له ان هذه القرية كان لها حكومة محلية بين 5000 و4000 سنة ق.م.

وقبل ان نتحدث عن الدول التي اقامتها الشعوب المختلفة في العراق القديم ، نود ان نشير الى الاصل الاسطوري للبلاد . ويتلخص هذا في ان المنطقة بأجمعها كان يغمرها الماء المسمى إبْسُو . وكانت تيامات وزوجها الهة الشر في الفضاء الواسع كما كانت زعامة الهة الخير قد انتهت الى إيا وإّليل . وقد وقعت الحرب بينهما والتي اثارتها هي تيامات . لكنها انكسرت ، وعز عليها ذلك ، واعدت العدة لحرب ثانية كان خصمها في هذه المرة مرْدوخ ، الذي انتصر عليها وشقها قسمين نصب واحداً منهما قبة السماء ، وجعل النصف الاخر الارض .

واكرم مردوخ ، الالهة فبنى لها القصور ، لكنها لم تلبث ان ملّت الحياة الرتيبة . فطلبت من مردوخ ان يخلق لها  من يعبدها – مصليا ومقدما  لها القرابين . فخلق مَرْدوخ الانسان من مزج دم احد الهة الشر كنفو بالتراب . 

وتزايد بنو البشر وكانوا يجمعون قوتعم اليومي من نبات ويقنصون الحيوانات ويصيدون الاسماك . وعملت الالهة الى تعليم الانسان كيف يدجن الماعز والغنم ، وكيف يزرع الشعير والقمح والنخيل وكيف يبني الاخصاص من الطين الصلصالي .

ولم يعجب إّليل(إبليل ) اله الرياح والاعاصير ان يظل اتباعه متفرقين في اماكن سكن متباعدة ، فأختار قطعة من الارض بنى فيها مدينة وجمع اتباعه فيها ، وحملهم على السكنى الدائمة على ان يتنقلوا حولها لاعمالهم . سمى إّليل المدينة " نيبور " ( نفار الحالية ) . واعجب الالهة بعمل إّليل فقلدوه وبنوا مدناً لاتباعهم : إنو أوُرك ( ورقة اووركاء ) وإيا اريدو(بوشهرين)،
وسِنْ سيار ( ابو حبة ) ولارْسا ( سنكرا )، وعشتار ( وكان اسمها الاول إنانا ) كيش .


         وبنيت الهياكل ( الزيغورات ) واماكن للملك الخ .


(5)

         ولننتقل الان الى التاريخ لنضع خلاصة له .

1-      في مجر التاريخ كان شعب يسكن جنوب ارض الرافدين يعرف بالسومريين :    شعب مجهول اصل جنسه لكنه  لم يكن سامياً .

في اواخر الالف السابع ق.م. كان هذا الشعب قد اهتدى الى الزراعة ودجن الحيوان واقام القرى لسكناه حوالي سنة 5500 ق.م. بدأ الشعب يتنقل من القرية والريف الى المدينة . وقد تم ذلك بسرعة . كانت المدن مستقلة في حكومتها واعمالها . وقد تستولي مدينة ما على اخرى ، لكن ذلك لم يكن يدوم طويلا .

وفي اواسط الالف الثالث ق.م. كان ثلاثة ارباع سكان الجنوب يعيشون في مدن واسعة ، اذ ان معدل المسافة كانت حول 40 هكتارا .

يبدو انه في الالف الرابع ق.م. اخترع السومريون الكتابة المسمارية ، وثمة نقوش وآجرات رسمت بهذه الكتابة تعود الى حوالى 3000 ق.م. واقدم نص يعود الى سنة 3100 ق.م.

وكانت لهذه المدن علاقات تجارية مع الشمال والجنوب وخاصة مع عُمان (قفان ) مورد معدن النحاس الاساسي .

  2-استولى الاكدّيون ( الاكاديون ) وهم شعب سامي الاصل على ارض سومر 2310 ق.م. اخذ الاكديون الكتابة السومرية لكنهم منحوا لغتهم السامية للسكان جميعا. واختلط الفريقان ونتج عن ذلك حضارة سومرية –أكّدية .

3-    قامت دولة سامية جديدة في اوائل القرن التاسع عشر ق.م. في المنطقة هي الدولة البابلية واشهر ملوكها حمورابي ( 1792-1750 ) ، بني بابل واتخذها عاصمة له. كانت امبراطورية واسعة ( امتدت الى شمال سورية ) كبيرة النشاط تجارياً وتنطيمياً  فهذا الملك هو صاحب "قانون حمورابي" الذي كان يمثل تطور التشريع منذ ايام السومريين حتى ايامه .

4-    جاء بعد ذلك دور الاشوريين ، الذين كانت دولتهم تقوم في شمال البلاد ، فلما تقووا احتلوا المنطقة بأكملها ووصل حكمهم حتى مصر . وهذه قضى عليها الكلدانيون سنة 612 ق.م. ( واتخذت بابل عاصمة لها لذلك تسمى الدوولة البابلية الجديدة ). وهذه قضى عليها الفرس سنة 539 . وهي الدولة التي ظلت سيدة المنطقة الى ان فتح الاسكندر البلاد سنة 330 ق.م.




(6)


يجدر بنا وقد تناولنا هذه الدول التي قامت في وادي الرافدين ، والتي تم قيام الحضارة الاولى العالمية على ايديها ان نضع خلاصة بسيطة لما تم على يد هذه الشهوب متفردة ومجتمعة وممتزجة ومتبادلة المصالح والمنافع والانجازات .

1-    كانت الحضارة السومرية حضارة مدن ، بما يتبع ذلك من تطور حضاري لا تعرفه الاماكن التي ظلت تسودها حضارة الريف والقرى . ويتضح هذا في هذا الكم الضخم من التقدم في العمران مثل حفر القني لنقل المياه الى ضواحي المدن الكبيرة التي كانت تبعد عن مجرى دجلة والفرات وديالي وقارون والخابور .
فضلاً عن التطور الصناعي والفني الذي تشهد به آثار القوم على المواد الخام من اماكن قاصية – عمان ، وآسيا الضعرى واواسط آسيه .

2-    كانت الحكومة عند السومريين ملكية، وكان الملك يمثل الاله الذي بنى المدينة
( بحسب الرواية السائدة ) . وعمل الملك الاصلي انه يعنى بشؤون القضاء واحقاق العدل ، لكنه لم يكن كاهناً اذ ان هذا المنصب كان له الشخص الموكل به من حيث قيادة المصلين وتقديم القرابين للآلهة . ولم يكن الملك السومري ، الا فيما ندر ، قائداً للجيش . لكن هذا الامر بالذات يبدو انه قد تبدل فيما بعد، لان الملوك كانوا هم قادة الجيوش والحملات العسكرية.

3-    يبدو ان المجتمع السومري لم يعرف الرق ، ولو ان الشعب كان يتقسم الى طبقات
    اجتماعية متفاوتة المكانة والاهمية .
    لكن يبدو من قانون حمورابي انه في ايامه ، وقبل ذلك طبعاً ، كان الامر قد
     تبدل . 
    فالقانون يفرق في العقوبة بين الاحرار والارقاء .


(7)

قولنا ان هذه الحضارة العراقية استمرت حتى الفتح اليوناني سنة 330 ق.م. لا يعني ان التطور الحضاري توقف . انما القصد من ذلك ان مؤثرات حضارية جديدة دخلت المنطقة – يونانية ورومانية – وكانت الاولى اكبر اثرا .

         واخيراً وليس آخراً ، دخل الاسلام المنطقة وقامت الخلافة العباسية (749م) في بغداد ولنقل اجمالاً ان الحضارة الاسلامية في العراق كانت في مقدمة ما قام من حضارة هناك .

         يمكن ان نتصور هذا الكم الكبير من النتاج الحضاري الذي كشفت عنه يد المنقب الاثري.
ومن سوء الحظ فان الكثير من الاثار التي عثر عليها في بدء عهد النبش الاثري قد نقل الى الخارج . ويمكن مشاهدته على سبيل المثال في لندن ( المتحف البريطاني ) وباريس ( في اللوفر)  وفي برلين ( المتحف الشرقي ) وفي كثير من المدن التي ساهم اثريون في الحفر فيها ، فنقلوا ما امكن نقله الى بلادهم .

         ولكن الذي ظل في البلاد اكثر عدداً وكمية ، وقد حفظ هذا حفظاً تاما في المتحف العراقي . ويعود الفضل الاول في انشاء المتحف العراقي في بغداد الى غرترود بل (Gertrude Bell  ) التي كانت مستشارة في دار الاعتماد البريطاني في بغداد . لكن الذي بدأته كان عملاً صغيراً . وقد نقل المتحف بعد ذلك الى مكان اوسع ، وقد زرته سنة 1956 . لكن بعد ذلك اقامت الحكومة العراقية بناءً خاصاً للمتحف الذي كان على نطاق كبير وتنظيم علمي متقن . وقد اتيحت لى زيارته في السبعينات . فكان روعة في الشكل والمحتوى .

         هذا هو الذي نهب في نيسان ( ابريل ) 2003 ، ولست ادري اذا كان بالامكان تحديد الخسارة المادية . اما الخسارة المعنوية والتاريخية فلا احسب انه يمكن تقديرها قبل بعض الوقت .

0 التعليقات:

أرسل أسئلتك في رسالة الآن هنا

foxyform

عنواني على الفايس بوك:

قناتي على اليوتوب

أعلن معنا... إعلانات الآن هنا ...


تبادل المعلومات

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More